صفقة الليطاني: الجزرة الأوروبية لعصا إسرائيل

هل يتولّى مبعوث أوروبي مهمة تهجير سكان الجنوب بشكل دائم تحت غطاء "التعافي"؟
كشفت مصادر سياسية لصحيفة "البناء" اللبنانية عن تحرّك يقوده مبعوث أوروبي يروّج لمشروع إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان حتى نهر الليطاني. وبحسب هذه المصادر، يتضمّن العرض إغراءات مالية وعقارية لسكان القرى الحدودية، تشمل منح أراضٍ في مناطق جبيل وكسروان، مع وعود بغطاء دولي سياسي ومالي وأمني للعملية برمتها.
لنكن صريحين بشأن ما يعنيه هذا. إن كان التقرير دقيقاً، فإننا لسنا أمام ممر إنساني أو إجراء إغاثي مؤقت. إنه هندسة ديموغرافية مغلّفة بلغة دبلوماسية، مخطط يهدف إلى فصل السكان عن أراضيهم بشكل نهائي، مدعوم بوعود "غطاء دولي" لا يقل خطورة عن التهجير نفسه.
التوقيت يستدعي التمحيص. حتى مايو 2026، نزح أكثر من 1.2 مليون لبناني منذ تصاعد النزاع في مارس، مع 1,039 قتيلاً و2,876 جريحاً بحسب السلطات الصحية . قرى بأكملها سوّيت بالأرض. أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة أن النازحين من الجنوب "لن يعودوا إلى جنوب الليطاني" . وأكدت مصادر عسكرية تبني "نموذج غزة" – التدمير المنهج للقرى الحدودية على غرار ما حدث في بيت حانون ورفح . دُمّرت مكاتب السجل العقاري في بنت جبيل بفعل الغارات، وضاعت سجلات ملكية 36 قرية .
والآن، فيما يواجه الأهالي استحالة العودة، يصل مبعوث أوروبي حاملاً عروضاً مالية ونقل ملكية. السؤال يطرح نفسه: هل هذه مساعدة إنسانية، أم القفاز المخملي الذي يغلّف قبضة الحديد؟
ماذا تكشف العدسة التحليلية:
لا يمكن قراءة مشروع "المنطقة العازلة" بمعزل عن الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية المعلنة. وضع المخططون العسكريون نظام سيطرة ثلاثي الطبقات: شريط حدودي عازل، منطقة عملياتية جنوب الليطاني، وضغط عسكري دائم على الدولة اللبنانية . تدمير جسور الليطاني الخمسة لم يكن لمكسب تكتيكي مؤقت، بل لعزل المنطقة بشكل دائم . ضياع سجلات 84 قرية في بنت جبيل ومرجعيون يخلق فوضى توثيقية تعقّد أي مطالبات عقارية مستقبلية .
البعد الأوروبي مقلق بشكل خاص. أطلق الاتحاد الأوروبي في التوقيت نفسه برنامج "تعافٍ" بقيمة 32 مليون يورو بدعم فرنسي ودنماركي . السؤال: تعافي لمن، إذا كان السكان قد رُحّلوا أو أُغروا بالمغادرة؟ صرّح السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو بأن "فرنسا اختارت الوقوف إلى جانب لبنان على المدى الطويل" . لكن ماذا يعني "الوقوف إلى جانب لبنان" إذا كان الثمن تسهيل التهجير الدائم لمواطنين لبنانيين من أرض لبنانية ذات سيادة؟
أسئلة لا تحتمل التغاضي:
1. من هو هذا المبعوث الأوروبي؟ أي حكومة يمثّل، وبأي تفويض يعمل؟
2. ما هو "الغطاء الدولي السياسي والمالي والأمني" الموعود، ومن هي الدول التي وقّعت على هذا الترتيب؟
3. إذا كانت سجلات 84 قرية قد دُمّرت، فكيف يمكن للسكان الموافقة على بيع أملاك قد تبقى متنازعاً عليها قانونياً لسنوات؟
4. لماذا يموّل المجتمع الدولي برامج تعافٍ لمناطق يُفرّغ سكانها بشكل ممنهج؟
5. قدّم الاتحاد الأوروبي 45 مليون يورو لوزارة التنمية الاجتماعية في أبريل 2026 . هل هذه "الجزرة" التي يُراد بها تسويق التهجير؟
6. ماذا يحدث للرافضين؟
النمط مألوف تاريخياً.
اجتياح 1978، اجتياح 1982، احتلال الشريط الحدودي لثمانية عشر عاماً – كل مرحلة بشّرت بالأمن وانتهت بالتهجير. لكن اللحظة الراهنة تتميّز بالتنسيق الصريح بين الأمر الواقع العسكري والإغراء الدبلوماسي. التدمير يخلق الأزمة، والمبعوث يحمل "الحل".
الحكومة اللبنانية في مأزق لا تُحسد عليه. وصفت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين سيد دعم السكان الصامدين بأنه "خط الدفاع الأول ضد جهود التهجير" . لكن مع توفّر 30 مليون دولار فقط مقابل احتياجات تفوق مئات الملايين، تفتقر الدولة للموارد اللازمة لإبقاء الناس في أرضهم . عرض المبعوث يملأ فراغاً صنعه التدمير نفسه.
الخط الفاصل بين الإغاثة والتواطؤ يضيع عمداً. حين يُقصف شعب خارج بيوته، ثم يُعرض عليه المال لعدم العودة، فهذا ليس "تعافياً".
للتاريخ أسماء أخرى لمثل هذه المخططات.
#لبنان #الليطاني #المنطقةالعازلة #جغرافياسياسية #تهجير #جنوبلبنان #الاتحادالأوروبي #سياسةخارجية #المراقبيحقق #حق_العودة