واشنطن تُصعّد ضد لبنان: عقوبات أمريكية تُهدد السيادة وتُربك مسار التهدئة الإقليمية

أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة على تسعة شخصيات لبنانية، بينهم ضباط أمنيون ونواب وقيادات سياسية تتهمهم واشنطن بدعم حزب الله، وذلك بموجب الأمر التنفيذي الأميركي 13224 الخاص بمكافحة “الإرهاب”.
العقوبات شملت العميد خطار ناصر الدين من الأمن العام اللبناني، والعقيد سامر حمادة من مخابرات الجيش اللبناني في الضاحية الجنوبية، إضافة إلى النواب حسن فضل الله وإبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن، والوزير السابق محمد فنيش، وشخصيات مرتبطة بـ حركة أمل.
واشنطن تقول إن الهدف هو “حماية سيادة الدولة اللبنانية” ومنع تمويل حزب الله والضغط لنزع سلاحه، كما أعلنت عن مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تُعطّل الشبكات المالية للحزب.
لكن السؤال الجوهري هنا:
كيف يمكن لواشنطن أن تتحدث عن دعم السيادة اللبنانية بينما تفرض عقوبات مباشرة على مسؤولين داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية نفسها، خارج أي مسار قضائي لبناني أو دولي؟
التوقيت ليس تفصيلاً. هذه العقوبات تأتي وسط مفاوضات أميركية–إيرانية غير مباشرة، ومحاولات دولية لتثبيت تهدئة طويلة الأمد على الجبهة اللبنانية الفلسطينية بعد أشهر من المواجهات الحدودية.
ومن هنا تظهر المفارقة الكبرى.
فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، شهد الجنوب اللبناني والشمال الفلسطيني المحتل آلاف الضربات المتبادلة، ونزوح أكثر من مئة ألف مدني من جانبي الحدود، إضافة إلى دمار واسع في القرى الجنوبية اللبنانية. وفي ظل استمرار الغارات الإسرائيلية والانتهاكات اليومية للأجواء اللبنانية، يبرز سؤال قانوني وأخلاقي صعب:
لماذا تُستخدم العقوبات والضغوط المالية ضد أطراف لبنانية حصراً، بينما لا تواجه إسرائيل مستوى مماثلاً من المحاسبة الدولية رغم استمرار العمليات العسكرية والتجاوزات الحدودية؟
قانونياً، تبقى العقوبات الأحادية خارج إطار مجلس الأمن موضع جدل واسع في القانون الدولي. عدد من خبراء الأمم المتحدة اعتبروا مراراً أن العقوبات القسرية الأحادية قد تُشكل انتهاكاً لمبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، خصوصاً عندما تستهدف ممثلين سياسيين منتخبين داخل دولة أخرى.
وهنا تبرز نقطة حساسة أخرى: بعض المستهدفين هم نواب منتخبون في البرلمان اللبناني. سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم سياسياً، فهم جزء من بنية التمثيل السياسي اللبناني. فهل معاقبة نواب منتخبين تُعتبر دعماً للديمقراطية؟ أم قبولاً انتقائياً بالديمقراطية فقط عندما تتوافق نتائجها مع المصالح الغربية؟
من منظور محور المقاومة، تُقرأ هذه العقوبات باعتبارها محاولة أميركية–إسرائيلية لإعادة تشكيل التوازن السياسي في لبنان بعد عجز إسرائيل عن تحقيق حسم عسكري واضح ضد حزب الله خلال أشهر المواجهة.
لكن المسألة اليوم ليست رمزية بل استراتيجية.
هل ستدفع سياسة الضغط الأميركية حزب الله وحلفاءه نحو التسوية فعلاً؟ أم ستُقنعهم أكثر بأن واشنطن ليست وسيطاً محايداً لا في لبنان ولا في الملف الإيراني؟
وإذا كانت الولايات المتحدة تتفاوض مع طهران من جهة، وتفرض عقوبات على شخصيات لبنانية تُتهم بقربها من إيران من جهة أخرى، فهل هذا يُعزز الدبلوماسية أم يُقوّضها قبل أن تنضج؟
التجربة التاريخية تستحق التوقف عندها. سياسة “الضغط الأقصى” ضد إيران بعد عام 2018 لم تؤدِّ إلى استسلام إيراني، بل ساهمت في رفع نسب تخصيب اليورانيوم، وتعميق الاستقطاب الإقليمي، وزيادة انعدام الثقة تجاه الوساطات الغربية.
أما لبنان، الغارق أصلاً في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم، حيث تجاوزت معدلات الفقر 70% وفق تقديرات أممية، فلا يبدو أنه يحتمل تحوله إلى ساحة جديدة للحصار المالي والسياسي.
السؤال الحقيقي ليس إن كان حزب الله يجب أن يخضع للنقد أو المساءلة. جميع الأطراف المسلحة وجميع الدول يجب أن تخضع للمحاسبة وفق القانون الدولي ومعايير حقوق الإنسان.
السؤال الحقيقي هو:
هل يمكن بناء سلام حقيقي في لبنان عبر العقوبات والضغوط الانتقائية فقط، بينما تستمر الحرب والانتهاكات الإسرائيلية والتوتر الإقليمي دون مساءلة متوازنة؟
أم أننا أمام نسخة جديدة من السياسة الأميركية التقليدية في المنطقة: تفاوض بيد… وضغط باليد الأخرى؟
#لبنان#حزبالله#أمريكا#إيران#إسرائيل#محورالمقاومة#القانونالدولي#حقوقالإنسان#العقوبات
#الشرقالأوسط#وقفإطلاقالنار#الجغرافياالسياسية#المراقب