هندسة الإدراك الاستراتيجي: تقرير 'المونيتور' ونقد ماكينات الترجمة في الفضاء الإيراني
پريسا نصرآبادي
نشر موقع "المونيتور" يوم أمس تقريراً حصرياً تحت عنوان:
"ترامب يكبح الجماح: الدائرة المقربة من نتنياهو تُحمّل ترامب مسؤولية فشل مشروع تغيير النظام في إيران والاتفاق الوشيك."
أبرز نقاط هذا التقرير:
▪️ الاتفاق الوشيك وأزمة نتنياهو: الاتفاق المحتمل بين واشنطن وطهران يهدد مستقبل نتنياهو السياسي، وقد يجبره على التنحي ومواجهة محاكمات الفساد والسجن، وسط اتهامات داخلية له بالعجز عن حماية مصالح إسرائيل.
▪️ إجهاض "تغيير النظام": كان لدى إسرائيل مخطط دقيق لإسقاط النظام الإيراني بالتعاون مع جماعات كردية مسلحة، لكن ترامب أوقف المشروع بضغط وإقناع من أردوغان.
▪️ مخاوف إسرائيل المالية والعسكرية: تخشى تل أبيب أن يضخ الاتفاق مليارات الدولارات لطهران، وأن يمنحها سيطرة مطلقة على مضيق هرمز الذي باتت تعتبره إيران سلاحاً استراتيجياً يفوق السلاح النووي أهمية.
▪️ قصور الاتفاق: هذا الاتفاق الوشيك (المدفوع بجهود قطرية) قد يمدد وقف إطلاق النار، لكنه لن يحل معضلة تخصيب اليورانيوم ولا القدرات النووية الإيرانية.
يُعد تقرير "المونيتور" نموذجاً صارخاً للمحتوى الموجه والمصنوع بطلب من الحكومات والتكتلات السياسية في وسائل الإعلام؛ وهو مصمم خصيصاً لتوجيه العمليات الإدراكية والمعرفية، وهندسة الجهاز التحليلي للجمهور، والتأثير غير المباشر على مسارات صنع القرار في الساحات الاستراتيجية.
تم إعداد هذا التقرير بقلم "بن كاسبيت"، وهو صحفي إسرائيلي بارز ومتخصص في الشؤون الأمنية، ويمتلك تاريخاً طويلاً من العمل في وسائل الإعلام الصهيونية مثل "معاريف"، "واللا"، "القناة 12"، بالإضافة إلى موقع "المونيتور" القطري.
يستهدف التقرير تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية:
1. تعزيز وتثبيت فكرة كاذبة تزعم وجود "انفصام استراتيجي" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعميق الفجوة غير القابلة للإصلاح بين ترامب وناتنياهو.
2. تسليط الضوء بشكل مبالغ فيه أحياناً على دور "المحور الإخواني" في كبح السياسات فائقة العدوانية لواشنطن، وذلك من خلال:
❗️إقناع ترامب بتجنب السير في مشروع تغيير النظام في إيران.
❗️منع تحويل الخطط المتعلقة بالعمليات البرية في إيران إلى واقع تنفيذي.
❗️زيادة الضغط على البيت الأبيض لإبداء مرونة تفضي إلى توقيع تفاهم يحمل أفقاً للوصول إلى اتفاق، ولو في حده الأدنى.
3. التأكيد على فكرة المساواة في الأهمية الاستراتيجية بين مضيق هرمز والسلاح النووي (باعتباره الغاية النهائية لإيران من الحفاظ على دورة التخصيب الكاملة)، وهو قياس مع الفارق ولا وجه له.
بيد أن المعضلة الأساسية لا تكمن في قيام وسيلة إعلامية تابعة للمحور الإخواني أو أي وسيلة إعلامية أخرى من "الإعلام السائد" ذات روابط عضوية بمراكز القوى المستفيدة بنشر مثل هذه التقارير. بل إن المشكلة الجوهرية تكمن في أن هذه التقارير تدخل الفضاء الفكري والسياسي العام في إيران مباشرة كـ "مادة خام" دون أي وسيط تحليلي أو سياق ناقد، وتُستهلك على هذا النحو تماماً.
لقد بات الفضاء الإعلامي في إيران (ولا سيما الصحافة المكتوبة) متخماً بشتى أنواع المقالات والتقارير الضخمة المترجمة والمنقولة *دون أي وسيط تحليلي أو تفكيك للشفرات* عن منصات مثل: *فارين أفرز، فارين بوليسي، نيويورك تايمز، واشطن بوست، وال ستريت جورنال، أكسيوس، الغارديان، فايننشال تايمز، ذا أتلانتيك، المونيتور*، وعشرات المنصات ومراكز الفكر ذات التوجهات السياسية والأمنية والأيديولوجية المحددة.
وإذا كان لا عتب على تلك الوسائل الإعلامية المحلية في إيران التي تحولت مجرد "آلة ترجمة" لأخبار وأفكار وتقارير وسائل إعلام الأعداء والمنافسين، وأصبحت ملحقاً داخلياً لها؛
فإن السؤال المطروح هو: لماذا لا يبدو حال غالبية المحللين ومنصات الفكر والتنظير في إيران *والتي يؤثر بعضها بشكل مباشر على صناع القرار ومساراته* أفضل حالاً؟
لماذا غدا هذا "التفكير المستند إلى مراكز الأبحاث الغربية" المستنسخ والمنقول بلا نقد، هو النمط السائد للتحليل والتنظير حتى في مجالاتنا الاستراتيجية؟
إن هذه المسألة تتطلب وقفة تشخيصية ونقدية جادة؛ نظراً لأن هذا النهج يؤثر بشكل مباشر على فهمنا لـ "الأمن القومي والمصالح الوطنية" والتحركات الرامية لتحقيقها.