مدرج القليعات: إنماء وطني أم ممر الفيدرالية برعاية أميركية؟

في السادس من حزيران 2026، حطّت الطائرة الأولى في مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض في القليعات (عكار)، وعلى متنها رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال العامة فايز رسامني، ليعلن التدشين الرسمي لمشروع تأهيل وتشغيل المطار الذي رسا التزامه مؤخراً على شركة "سكاي لاونج" اللبنانية بعقد يمتد لأربع سنوات. ورغم المحاولات الحثيثة لتسويق الحدث في إطاره الإنمائي والاقتصادي البحت لمنطقة عكار المحرومة، جاءت مواقف وتصريحات السفير الأميركي الجديد في لبنان، ميشال عيسى، لتبدّد هذه السردية وتكشف عن الأبعاد الجيوسياسية الخطيرة الكامنة وراء هذا التوقيت.
من منظور تحليلي ونقدي، لا يمكن قراءة إعادة إحياء مطار القليعات — الذي تأسس في أواخر الثلاثينيات واستُخدم إبان الحرب الأهلية في سياقات لوجستية فئوية — بمعزل عن مشاريع الفدرالية والتقسيم المقنع. السعي التاريخي لبعض القوى السياسية، لا سيما القوات اللبنانية في مراحل سابقة، لفتح مطار في "المناطق المسيحية" أو الشمال بحجة الهواجس الأمنية من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، يحمل في طياته بذور التفتيت الإداري والجغرافي. إن غياب الرؤية التكاملية للبنية التحتية الوطنية يحوّل هذا المرفق من حاجة إنمائية إلى ركيزة لوجستية لكانتونات طالما حلم البعض بتأسيسها على أنقاض الدولة المركزية.
لكن الوقاحة السياسية بلغت ذروتها عندما تحوّل حفل افتتاح محلي مفترض إلى منصة أطلق منها السفير الأميركي ميشال عيسى جملة من الرسائل السياسية الموجهة، معتبراً أن
"هذه المرة الأولى التي يقرر فيها لبنان مصيره بمفرده"
، ومشيراً إلى "أهمية مفاوضات واشنطن"، قبل أن يختم بعبارة صريحة تحمل تحدياً سافراً:
"نعيم قاسم يقرر كما يريد ونحن نقرر أيضاً".
هذا التموضع الأميركي يضع المطار الجديد في صلب معادلة الصراع الجيوسياسي من منظور
محور المقاومة:
مصادرة السيادة في عقر دارها:
إن إعطاء السفير الأميركي منبر المطار ليصوّغ منه مواقفه ضد المقاومة وقيادتها، ممثلة بالأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، يؤكد أن واشنطن تتعامل مع المرفق كأصل من أصولها السياسية في شمال لبنان وليس كمنشأة سيادية للدولة اللبنانية.
البدائل اللوجستية المشبوهة:
يأتي هذا التحرك في ذروة الاستهداف الإسرائيلي المستمر للبنى التحتية اللبنانية، مما يثير تساؤلات جدية حول رغبة واشنطن في إيجاد منافذ جوية بديلة خارج نطاق البيئة السياسية والأمنية للعاصمة بيروت، لتسهيل حركتها وحركة حلفائها.
التناقض الفاضح: **
الحديث عن
"قرار لبناني مستقل دون تدخل أحد"
على لسان سفير دولة أجنبية يتدخل في أدق تفاصيل التوازنات اللبنانية ويعلن جهراً "ونحن نقرر أيضاً"، يسقط ورقة التوت عن شعارات السيادة الزائفة التي يرفعها حلفاء السفارة.
إن مطار رينيه معوض يجب أن يكون رافعة لإنماء عكار وتأكيد سلطة الدولة السيادية الواحدة، لا منصة للتدخلات الخارجية ومشاريع الفدرلة التي تخدم الطروحات الانعزالية وتنفذ الأجندة الأميركية في المنطقة.
#لبنان #مطارالقليعات #محورالمقاومة #التدخلالأميركي #الجيوسياسية #نعيمقاسم #نواف_سلام #المراقب