تحليل الأفخاخ الإدراكية وجغرافيا المعركة في جبهة المقاومة الشمالية
پريسا نصر آبادي
مع الهجوم الذي شنّه الكيان الإسرائيلي اليوم [أمس] على الضاحية الجنوبية، وتصريحات ترامب التي أكد فيها أنه "لا ضرورة لإدراج لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران"، لا يبدو من قبيل المبالغة أن نرى إيران واقعة في الفخ المعرفي ذاته الذي صممه جنرالات الجيش الإسرائيلي كجزء من الخطة العملياتية للمعركة على الجبهة الشمالية.
إن المسرحية التي جرت فصولها الأسبوع الماضي عبر نشر تقرير موقع "أكسيوس" المثيرة للجدل حول المكالمة الهاتفية المتوترة بين ترامب ونتنياهو، لم تكن تكشّفاً عن شرخ حقيقي، بل كانت نموذجاً كلاسيكياً لـ "هندسة الإدراك": الصحفي نفسه ذو العلاقات رفيعة المستوى، والوظيفة القديمة ذاتها؛ بهدف بناء رواية تُوحي بوجود "توتر" بين واشطن وتل أبيب لإدارة عقول أصحاب القرار (في طهران)، في حين أنه ليس من المقرر إحداث أي تغيير جوهري على أرض الواقع.
كما أن ردود الفعل على هذه الحادثة جاءت لتؤكد هذا السيناريو؛ إذ أثار المقربون من ترامب ونتنياهو ضجة كبيرة، ودون أن ينفوا أصل القصة، عبّروا عن غضبهم فقط من "تسريب" الخبر، مما يعني أن جوهر الخبر كان حقيقياً. ويرى آخرون أنه لولا المخاوف من توقف المفاوضات مع إيران، لما حدثت مثل هذه المكالمة بين ترامب ونتنياهو لاحتواء التوتر في لبنان.
في هذا التوجيه الإعلامي، كان الخط الروائي الأساسي يقوم على أن:
"إيران، عبر تهديدها بقطع المفاوضات، أجبرت ترامب على كبح جماح نتنياهو"؛
وهي رواية وهمية تماماً.
لقد كانت وظيفة هذا السيناريو واضحة بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل: فمن خلال "تسريب" هذا الخبر، كان الهدف ظاهرياً ضبط مستوى المواجهة لضمان عدم تعثر المسار الدبلوماسي في ملف أكثر أهمية، دون أن يتوقف المشروع الإسرائيلي في الاحتلال والتطهير.
بالنسبة لترامب، تصنع مثل هذه الروايات رأسمالاً سياسياً؛ إذ تظهره في صورة القائد المستقل الذي يجبر حتى إسرائيل على الانصياع.
أما بالنسبة لنتنياهو، فإنها توفر غطاءً سياسياً مقبولاً؛ حيث يتم تسويق عدم توسيع رقعة المعركة إلى جنوب بيروت خلال فترة زمنية محددة على أنه "تنسيق" مع أمريكا، وليس تراجعاً.
وكانت لفبركة الأخبار هذه وظيفة بالنسبة لإيران أيضاً؛ إذ أتاحت للمسؤولين السياسيين الإيرانيين فرصة تعزيز رواية تُظهر أنهم يقفون بحزم في وجه أمريكا، وأنهم رهنائ استمرار المفاوضات بوقف الهجوم الإسرائيلي على بيروت. وبهذه الطريقة، يمكن لادعاء التأثير المباشر على سلوك واشنطن أن يسهم في تخفيف الضغوط الداخلية المفروضة على الجهاز الدبلوماسي.
غير أن التطورات الميدانية تكشف الحقيقة: فالهجوم المحتمل على بيروت لم يتوقف سوى لستة أيام فقط، في حين استمر الغزو البري لجنوب لبنان بلا هوادة.
ومنذ بدء هذه الجولة من الهجمات، واصل جيش الكيان اعتداءه وتقدمه في الأراضي اللبنانية بشكل مستمر، ولا يزال حزب الله يشتبك مع الجيش الغازي، بينما يستهدف الأخير دون أي رادع أرواح وممتلكات سكان المناطق الجنوبية. لقد احتلت إسرائيل نحو خُمس الأراضي اللبنانية، ونزح مئات الآلاف، وبات مشروع "تهجير الشيعة" من جنوب لبنان وتحويله إلى "غزة ثانية" يسير بخطى متسارعة.
ولم يطرأ على الموقف الرسمي للكيان الإسرائيلي أدنى تغيير. أي أن ما كان يُطلق عليه -بناءً على تقرير أكسيوس- "كبح" ترامب لنتنياهو، لم يكن في أفضل أحواله سوى إعادة ضبط تكتيكية منسقة، ووقعت إيران هذه المرة أيضاً في فخ اللعبة المتكررة ذاتها:
أمريكا "الغاضبة"، وإسرائيل "المُهَدَّأة"، وإيران التي تبدو وكأنها "صاحبة اليد العليا"، وفي هذه الأثناء، يستمر الاحتلال وتحجيم حزب الله دون توقف.
إن ما يحسم الأمور ليس الروايات بل موازين القوى في الميدان، والتي لم تشهد أي تغيير استراتيجي يتماشى مع المطالب الإيرانية، بل أدت عملياً إلى استبعاد معادلة جنوب لبنان من الشروط الإيرانية في المفاوضات.
وفيما كانت إسرائيل تسعى سابقاً لتثبيت معادلة الجنوب (بيروت) في مواجهة الشمال (فلسطين المحتلة)، فإنها الآن -ومع ورود أنباء عن سحب قوات الرضوان من جنوب لبنان إلى جنوب بيروت وما تلا ذلك من غارات جوية وحشية على الضاحية- تسعى إلى إيصال عملية التطهير في جنوب لبنان إلى نقطة لا يمكن العودة عنها، على المدى المتوسط على الأقل، وذلك عبر توجيه ضربات قاصمة لجسد القيادات ومقاتلي النخبة في حزب الله.
إن هجمات جيش الاحتلال الإسرائيلي اليوم [أمس] على الضاحية هي اختبار لإرادة إيران، وفحص لمدى جدية تهديداتها المتكررة التي طالما طُرحت لدعم حزب الله دون أن تترجم إلى فعل ميداني.
إذا كان جنوب لبنان لا يزال يشكل "الحزام الأمني لجبهة المقاومة"، فإن معادلة "بيروت مقابل تل أبيب" هي المعادلة الصحيحة الوحيدة التي يجب صياغتها وتثبيتها الآن.