التحليل الاستراتيجي والجيوسياسي

يأتي خطاب نتنياهو كالعادة كمحاولة بائسة لبيع نصر وهمي لجمهوره المأزوم، ومحاولة للتغطية على مأزق استراتيجي وعسكري عميق. وإذا ما فككنا لغة الاستعلاء الأجوف في الخطاب، سنجد كياناً غارقاً في حرب استنزاف لا يملك القدرة على حسمها أو الخروج منها.
1. الهروب إلى البعبع النووي
يبدأ نتنياهو باللعب على وتره المفضل: "المشروع النووي الإيراني". محاولته تصوير عام كامل من الإبادة والتخبط العسكري كـ "هجمة تاريخية ضد قنبلة نووية" هي محاولة لرفع قيمة الفشل التكتيكي في الميدان وتحويله إلى إنجاز استراتيجي عالمي. إن التعهد بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي هو محض صرف للأنظار عن العجز في إعادة مستوطني الشمال، وعن حقيقة أن الردع الصهيوني قد تآكل بنيوياً أمام ضربات المقاومة.
2. وهم تفكيك المعادلات
ادعاء نتنياهو بأن إيران وحزب الله "أضعف من أي وقت مضى" ينقضه اعترافه الفوري بأن "المعركة لم تنتهِ بعد". لو كانت معادلات المقاومة قد تحطمت فعلاً لما بقيت مستوطنات الشمال مهجورة، ولما استمرت صفارات الإنذار في شل الحياة داخل الكيان. لقد نجح المحور في فرض معادلة استنزاف ممتدة، وإقرار نتنياهو باستمرار المعركة هو اعتراف ضمني بأن الضربات الغادرة لم تحقق هدفها النهائي بإخضاع جبهات الإسناد.
3. تضخيم الخطر وصدمة الميدان
الحديث عن إحباط "خطة لاجتياح الجليل" هو التبرير الصهيوني التقليدي لتغطية حجم التدمير الهمجي الممنهج للقرى الحافية في جنوب لبنان. هذه البروباغندا تعكس حقيقة الميدان: فالجيش الذي يزعم تفكيك قدرات المقاومة، عاجز حتى اللحظة عن تحقيق أي تثبيت عسكري أو توغل آمن داخل الأراضي اللبنانية، ويتلقى ضربات نوعية عند الحافة الأمامية، مما يجبره على الاستعاضة عن العجز البري بالقصف الجوي الأعمى.
4.الارتهان الكامل لواشنطن**
إن ربط نتنياهو الصريح لأمن كيانه "بالعمل المشترك مع الرئيس ترامب" هو اعتراف صارخ بهشاشة هذا الكيان الوظيفي. لا يمكن لتل أبيب أن تستمر في هذه المواجهة دون حبل الوريد الأمريكي الذي يمدها بالسلاح والغطاء السياسي. الالتجاء إلى الإدارة الأمريكية الجديدة لـ "إعادة الأمن للشمال" يثبت أن الجيش الإسرائيلي، بكل ما أوتي من آلة بطش، بات عاجزاً عن حماية حدوده بمفرده، وأن قرار الحرب والسلم خرج من يده ليصبح رهناً بالبيت الأبيض.