العداء الممتد لخمسة آلاف عام: لماذا يسعى الكيان الصهيوني إلى محو آثار صور القديمة؟
عندما وثّقت وزارة الثقافة الأضرار البنيوية الجسيمة التي لحقت بموقع صور المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو نتيجة الغارات الجوية الإسرائيلية، كان ردّ فعل المجتمع الدولي مقتصراً على بيانات القلق البيروقراطية المعتادة. فقد جرى التعامل مع تحطّم تيجان الأعمدة الرومانية، وتصدّع الأساسات الفينيقية، واختلال توازن الأعمدة التي صمدت لآلاف السنين، بوصفها مجرد «أضرار جانبية» في إطار صراع حديث غير متماثل.
لكن بالنسبة إلى عالم الآثار الميداني الذي يقرأ طبقات التاريخ المتراكمة في المشرق، وبالنسبة إلى الباحث المتخصص في التيارات الباطنية لليهودية القديمة، فإن ما يحدث ليس خطأً عارضاً في الحرب الحديثة. بل هو امتداد لثأر ميتافيزيقي وجيوسياسي متواصل منذ خمسة آلاف عام.
إن القصف المستمر لآثار صور القديمة ليس نتيجة خطأ في تحديد الأهداف، بل يُنظر إليه، وفق هذا الطرح، على أنه محاولة لفرض نبوءة توراتية لم تتحقق تاريخياً، عبر استخدام الذخائر الحديثة الموجّهة بدقة.
الثنائية الميتافيزيقية الأولى: القدس في مواجهة صور
في بعض التأويلات الدينية اليهودية، وخصوصاً ضمن البنى الباطنية للتصوف اليهودي (القبّالاه)، لا تُفهم العلاقة بين القدس وصور باعتبارها مجرد علاقة تاريخية بين مدينتين متجاورتين في العصر الحديدي، بل تُصوَّر على أنها نموذج كوني لصراع بين قوتين روحيتين متعارضتين.
ويعرض كتاب الزوهار، وهو النص التأسيسي للأدب القبّالي، فكرة وجود توازن روحي بين هذين المركزين الجغرافيين. فوفق هذا التصور، توجد القداسة (Kedushah) و«الجانب الآخر» (Sitra Achra)، الذي يرمز إلى الشوائب أو الغرور المادي، في حالة انعكاس كامل إحداهما للأخرى:
«عندما تمتلئ إحداهما، تصبح الأخرى خراباً، كما هو الحال بين القدس وصور.»
— الزوهار، قسم بيكودي 39:347
في هذا الإطار اللاهوتي، تُقدَّم صور باعتبارها التجسيد الأقصى للعالم المادي: الثروة، والسيطرة البحرية، والكمال العمراني، والاستقلال الذي لا يخضع لأحد. أما القدس فتمثل المحور الروحي الخالص. والعلاقة بينهما تُصوَّر باعتبارها علاقة صفرية؛ أي إن ازدهار إحداهما يستلزم أفول الأخرى.
ويُنظر إلى هذا التصور، بحسب أصحاب هذا الرأي، باعتباره المحرك اللاهوتي الخفي للعداء تجاه صور.
فبقاء صور، حتى ولو على هيئة أطلال أثرية، يمثل شاهداً مستمراً على إرث حضاري سابق بآلاف السنين لقيام الكيان الصهيوني الحديث.
انهيار التحالف الفينيقي
يرتبط أصل العداء التاريخي بشعور عميق بالخيانة. ففي بدايات المملكة الإسرائيلية القديمة، لم يكن الملك حيرام الأول عدواً للقدس، بل كان شريكاً أساسياً في تعزيز مكانتها. فقد ساهم خشب الأرز الصوري، والحرفيون الصوريون، والخبرات الهندسية الفينيقية في بناء الهيكل الأول للملك سليمان.
غير أن هذا التحالف لم يكن متكافئاً. فصور، بوصفها جوهرة الإمبراطورية البحرية الفينيقية، كانت تنظر إلى مملكة يهوذا الزراعية باعتبارها كياناً تابعاً ومحاصراً برياً.
وعندما سقطت القدس بيد الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني عام 586 قبل الميلاد، لم يُبدِ تجار صور وأمراؤها أي حزن على حليفهم السابق. بل رأوا في الحدث فرصة اقتصادية تعني فتح طرق التجارة وإزالة منافس إقليمي.
وقد صوّر النبي التوراتي حزقيال هذه اللحظة باعتبارها مثالاً على الانتهازية الاقتصادية والتنافس الجغرافي، فأطلق النبوءة التي لا تزال تشكل مرجعاً دينياً مهماً لدى بعض التيارات العقائدية:
«يا ابن آدم، لأن صور قالت على أورشليم: ها هي قد تحطمت، باب الشعوب، وقد صارت إليّ، فأمتلئ بعدما خربت؛ لذلك هكذا قال السيد الرب: هأنذا عليك يا صور، وسأصعد عليك أمماً كثيرة…»
— سفر حزقيال 26: 2-3
النبوءة غير المتحققة والحرب على الآثار
وهنا تكمن، بحسب هذا الطرح، جوهر مسألة استهداف الإرث الأثري لصور في العصر الحديث: التعلق بنبوءة لم يحققها التاريخ بالكامل.
ففي حين تنبأت نصوص سفر حزقيال بتدمير صور تدميراً نهائياً بحيث لا تقوم لها قائمة، فإن المدينة نجت من محاولات متعاقبة لمحوها، بدءاً من حصار نبوخذ نصر الثاني، مروراً بحملة الإسكندر الأكبر، وصولاً إلى العصور اللاحقة. وما زالت آثارها ومعالمها شاهدة على استمرار حضورها التاريخي والحضاري.
لذلك يرى أصحاب هذا التفسير أن بقاء صور الأثرية يمثل تحدياً رمزياً لنبوءة دينية لم تتحقق بصورة كاملة، وأن استهداف مواقعها التاريخية يُفهم ضمن سياق صراع يتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أبعاد رمزية وثقافية ودينية أعمق.