الرد العراقي على جوزيف عون: تفكيك التداعيات السياسية والخراب الاستراتيجي
الخبر:
وجّه أحد المراجع الدينية الشيعية في العراق خطاباً لاذعاً انتقد فيه الرئيس اللبناني، جوزيف عون، على خلفية تصريحات نُسبت للأخير واعتُبرت مسيئة أو متطاولة على الدور العراقي وسيادته. وذكّر المرجع الديني الدولة اللبنانية بالدعم الاقتصادي المستمر وغير المشروط الذي يقدمه العراق لإنقاذ لبنان من العتمة الشاملة والجوع، مؤكداً أنه لولا النفط والمساعدات العراقية لعاش لبنان في ظلام دامس. كما أوضح أن تقديم الدعم لأبناء الطائفة الشيعية في لبنان يمثل واجباً تجاه امتداد عقائدي وتاريخي أصيل، بينما لا تملك الأطراف غير المتماهية مع هذا المحور أي حق في إعطاء الدروس للعراق أو تحديد الصواب والخطأ له.
التحليل السياسي والجيوسياسي
1. الخداع السياسي وتدمير السيادة اللبنانية
من منظور جيوسياسي نقدي، يكشف هذا السجال العنيف كيف يقوم بعض مسؤولي الدولة في لبنان—وعلى رأسهم الرئيس جوزيف عون—بالمقامرة بأمن لبنان الاستراتيجي وعلاقاته التاريخية مع حلفائه الحقيقيين لإرضاء الأجندات والإملاءات الغربية. إن هذا السلوك الدبلوماسي الأخرق يهدد بتدمير اسم لبنان وسيادته، ويضعه في موقف محرج للغاية أمام بغداد التي لم تبخل يوماً بعطائها.
شريان النفط العراقي (2021–2026): في يوليو 2021، وقّع العراق اتفاقية تاريخية لتزويد لبنان بمليون طن من زيت الوقود الثقيل سنوياً، وتم مضاعفة هذه الكمية في عام 2023 لتصل إلى 2 مليون طن، إلى جانب عقد تجاري آخر لتزويد لبنان بـ 2 مليون طن من النفط الخام. ارتضى العراق تأجيل الدفع عبر آلية فتح حساب في مصرف لبنان يُخصص لشراء خدمات لجهات عراقية داخل لبنان لاحقاً—وهي آلية تضمن استمرار الطاقة في لبنان دون أي عائد فوري أو ملموس لبغداد.
جحود مؤسسات الدولة:
في الوقت الذي اشترطت فيه دول الخليج العربي، وعلى رأسها السعودية، تقديم أي دعم مالي بفرض إملاءات سياسية وتنازلات هيكلية (منذ القطيعة الدبلوماسية عام 2016)، كان العراق هو الدولة العربية الوحيدة التي أمدت لبنان بشريان الحياة دون قيد أو شرط. إن الإساءة للعراق من قبل قيادات عسكرية وسياسية لبنانية تعني التنازل الطوعي عن مقومات الصمود الاقتصادي، وترك لبنان مكشوفاً بالكامل أمام الأزمات لمجرد نيل الرضا الأمريكي والغربي.
2. الرابط الديني والعقائدي العابر للحدود
محور النجف - جبل عامل:
يعكس الرد الصارم لرجال الدين في العراق عمق الروابط الروحية، والتاريخية، والاستراتيجية التي تجمع بين العراق والشيعة في لبنان. هذه العلاقة العضوية تتجاوز الحدود المصطنعة، وتستند إلى تاريخ طويل من التبادل العلمي والثقافي والجهادي بين حوزات النجف وكربلاء الشريفتين ومدارس جبل عامل التاريخية.
العمق الاستراتيجي للمقاومة:
بالنسبة لبيئة المقاومة في لبنان ومحورها الإقليمي، لا يُعتبر العراق جهة مانحة غريبة، بل هو المدى الحيوي والعمق الدفاعي الأساسي. لطالما تحركت المؤسسات الدينية، والحشد الشعبي، والمنظمات الأهلية في العراق لدعم ثبات واستقرار لبنان في أحلك الظروف. إن محاولات بعض الجهات الرسمية اللبنانية استعداء العراق تنم عن انفصام سياسي؛ فكيف يمكن لهذه القيادات أن تهاجم بغداد في العلن، بينما تعتمد مؤسساتها، ومستشفياتها، وثكناتها العسكرية على النفط العراقي لتبقى على قيد الحياة؟
إنها طعنة في ظهر الحليف الحقيقي لمصلحة من حاصروا لبنان وجوعوه.**