حدود القوة: احتجاجات هرات تكشف مأزق الحوكمة والاستقرار الداخلي لحركة طالبان
يضع القمع العنيف للاحتجاجات الشعبية في مدينة هرات (غربي أفغانستان) حكومة "الإمارة الإسلامية" أمام استحقاق أمني وسياسي بالغ التعقيد. فبينما نجحت الحركة في فرض سيطرتها العسكرية الشاملة على البلاد منذ أغسطس 2021، يظهر الميدان أن آليات الضبط الاجتماعي والسياسي تواجه ممانعة بنيوية في الحواضر المدنية ذات الخصوصيات الثقافية والتاريخية.
في صباح يوم الثلاثاء 9 يونيو 2026، انطلقت تظاهرات حاشدة في بلدة "جبريل"—وهي منطقة ذات غالبية من قومية الهزارة تقع شمال غربي مدينة هرات. جاء هذا التحرك الشعبي رداً على حملة توقيفات واسعة طالت قرابة 35 امرأة وفتاة من قبل شرطة الأخلاق التابعة لوزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بناءً على توجيهات متشددة من حاكم الولاية تتعلق بـ "الضوابط الشرعية للمظهر". مئات المتظاهرين، من الرجال والنساء، رددوا شعارات تطالب بـ "التعليم، العمل، والحرية". وعند وصول المسيرة إلى تقاطع "بهار زندكي" الحيوي، فتحت قوات الأمن التابعة لطالبان النار بشكل مباشر لتفريق الحشود. وأكدت مصادر طبية محلية مقتل امرأة وطفل، وإصابة العشرات بجروح متفاوتة، رفض معظمهم النقل إلى المستشفيات الحكومية خشية الملاحقة الأمنية، فيما شنت الحركة حملة اعتقالات لاحقة طالت 17 شخصاً.
المقاربة الجيوسياسية والتحليلية
من منظور علم الاجتماع السياسي الأفغاني، يُظهر اللجوء الفوري إلى القوة المميتة لمواجهة احتجاج مدني أزمة عميقة في بنية السلطة الحالية. تاريخياً، فشلت الحكومات المركزية في كابول كلما حاولت فرض نموذج أيديولوجي أحادي على الأطراف الإقليمية المتنوعة. وهرات، كمركز حضاري واقتصادي تاريخي يرتبط بصلات وثيقة وعميقة مع الجوار الإقليمي (لا سيما إيران)، تمثل دائماً نموذجاً للمدينة العصية على القوالب الجاهزة التي تصدر من المركز القيادي للحركة في قندهار.
إن عجز الإدارة الحالية عن استيعاب التعبيرات المدنية السلمية وتحويلها إلى قمع مسلّح يعكس عدم قدرة الأجهزة الأمنية على الانتقال من تكتيكات "حرب العصابات" إلى عقلية "رجل الدولة" الذي يدير التناقضات الداخلية بالحوار والاحتواء. هذا السلوك لا يُعبر عن فائض قوة، بل عن هواجس حقيقية لدى القيادة من تدحرج بؤر الاحتجاج المحلية—خاصة في مناطق الأقليات مثل الهزارة—إلى حالة عصيان مدني أوسع قد تُربك حسابات السلطة في وقت تسعى فيه جاهدة لانتزاع الاعتراف الدولي وكسر العزلة الاقتصادية.
رؤية قوى الاستقرار الإقليمي ومناهضة الهيمنة**
من زاوية الاستقرار الإقليمي ومشاريع التكامل الاقتصادي في آسيا الوسطى والجنوبية، فإن استمرار الاضطراب الداخلي في أفغانستان يمثل ثغرة استراتيجية خطيرة. القوى الإقليمية المحيطة—مثل إيران وباكستان ودول آسيا الوسطى—ترى أن مصلحتها العليا تكمن في وجود حكومة مستقرة ومتماسكة في كابول تمنع تحول البلاد مجدداً إلى وكر للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود (مثل تنظيم داعش-خراسان). غير أن سياسات الإقصاء والقمع المسلح ضد المكونات المحلية والأقليات في مناطق مثل "جبريل" يسهم مباشرة في خلق بيئة هشة وثغرات أمنية تستغلها القوى الأجنبية وأجهزتها الاستخباراتية لإدامة استنزاف المنطقة.
بالنسبة للمحللين المدافعين عن سيادة دول المنطقة ضد التدخلات الأطلسية، فإن استقرار أفغانستان لا يمكن أن يتحقق بالقبضة الأمنية الصرفة وعزل نصف المجتمع وتهميش الأقليات. إن السيادة الحقيقية تتطلب لحمة داخلية؛ وبدون معالجة أزمات الحقوق المدنية والاندماج الوطني، تظل الساحة الأفغانية عرضة للاهتزاز، مما يعطل ممرات التجارة الإقليمية ويحرم الشعب الأفغاني من ثمار الاستقرار والتنمية.