صعود الصين والانكفاء الأمريكي: ماذا يجب على العرب فعله؟

د. رمزي بارودي
تؤرخ زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة إلى الصين تحولاً تاريخياً يمثل اعترافاً ضمنياً من واشنطن ببكين كقوة عظمى مكافئة. وخلافاً لزيارة ريتشارد نيكسون عام 1972 لبلد زراعي معزول، تعامل ترامب مع عملاق مالي وتكنولوجي بمنطق براغماتي دفاعي، محاولاً إدارة انكماش إمبراطورية آخذة في الأفول.
يتجلى هذا التحول الدولي بوضوح في الشرق الأوسط، حيث أدت العقود الماضية من الحملات العسكرية الأمريكية الفاشلة إلى تآكل مصداقية واشنطن. وتؤكد استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026 هذا التراجع، عبر تركيزها على حماية الداخل واحتواء الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولا يمكن قراءة التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران إلا كمحاولة يائسة للحفاظ على النفوذ، تعيد إلى الأذهان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 من قِبل إمبراطوريات أوروبية غاربة.
ومع تراجع النفوذ الأمريكي، تستعد الصين—الشريك التجاري الأكبر للمنطقة—لملء الفراغ السياسي عبر نموذجها القائم على التكامل الاقتصادي والتنمية، وهو نموذج قد يتحول إلى أسلوب أكثر حزماً لحماية مسارات الطاقة الصينية إذا دعت الحاجة.
أمام العالم العربي اليوم تحدٍ وفرصة هائلة؛ فالانسحاب الأمريكي المفاجئ والفوضوي قد يترك إسرائيل تتصرف كمهيمن إقليمي عدواني. لتفادي ذلك، يتعين على الدول العربية استغلال الهوامش السياسية المتاحة لملء الفراغ بشروطها الخاصة. يتطلب هذا المنعطف وضوحاً وتضامناً سياسياً عربياً شاملاً، والتمسك بالسيادة الحقيقية، وصياغة عقد سياسي جديد يرفض التدخلات الأجنبية ويركز على التنمية. كما يجب تحويل المواقف العربية إلى خطوات عملية لمحاسبة إسرائيل، وإنهاء الاحتلال في فلسطين ولبنان وسوريا، وفرض هذه الثوابت في أي شراكات مستقبلية مع القوى الدولية الصاعدة وعلى رأسها الصين.