الجريمة غير المكتملة: معسكر سبايكر، بعد اثني عشر عاماً
الطريق إلى النهر
كانت الحرارة على الطريق الأسفلتي خارج تكريت في الثاني عشر من حزيران ٢٠١٤ خانقة بالفعل منذ الصباح الباكر، لكن الصمت هو ما أرعب علي. كان علي، وهو طالب عسكري في التاسعة عشرة من عمره من مدينة الديوانية، قد وصل إلى معسكر سبايكر قبل أسابيع قليلة فقط. كان جزءاً من دفعة تضم الآلاف: شبان، ينحدر معظمهم من الجنوب ذي الغالبية الشيعية، استجابوا لدعوة الخدمة العسكرية بحثاً عن راتب مستقر ودافع وطني.
بحلول الفجر، اختفى قادتهم. خلع الضباط الكبار بزاتهم العسكرية، وارتدوا ملابس مدنية، وغادروا عبر البوابات الخلفية المؤمنة للقاعدة. تسرّبت الأوامر عبر الرتب كحكم بالإعدام:
اتركوا أسلحتكم. اخلعوا بزاتكم. اخرجوا من البوابة الرئيسية. عودوا إلى دياركم.
تدفقت آلاف الأجساد الشابة على الطريق السريع الذي يربط تكريت ببغداد، يرتدون الصنادل والملابس المدنية، عزلاً تماماً من السلاح. اعتقدوا أن وجهاء العشائر المحليين قد ضمنوا لهم ممراً آمناً. وبدلاً من ذلك، ساروا مباشرة إلى كمين.
ويتذكر علي بعد سنوات بصوت متهدج: "
رأينا السيارات قادمة، سيارات بيك-أب بيضاء تحمل الرايات السوداء. أخبرونا أنهم جاؤوا لحمايتنا ونقلنا إلى بغداد. ولكن بمجرد أن صعدنا إلى الشاحنات، بدأوا يضربوننا بالكابلات. ربطوا أيدينا وراء ظهورنا. في تلك اللحظة عرفنا أننا بِعنا".
تشريح الانهيار
لم تكن كارثة معسكر سبايكر حدثاً معزولاً، بل كانت النتيجة الحتمية لانهيار هيكلي في بنيوية الدولة والمؤسسة العسكرية العراقية. بعد سقوط الموصل في العاشر من حزيران ٢٠١٤، تقدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على طول وادي دجلة بسرعة فائقة.
كشف التفكك السريع للقوات الأمنية في محافظتي نينوى وصلاح الدين عن تصدع مؤسساتي عميق:
ظاهرة "الفضائيين" (الجنود الوهميين): تسبب الفساد المستشري في وجود وحدات عسكرية على الورق فقط، حيث كان القادة يتقاضون رواتب جنود لا وجود لهم.
التطهير على أساس الولاء: جرى استبدال الضباط المهنيين الأكفاء بأفراد تم اختيارهم بناءً على الولاءات السياسية والطائفية بدلاً من الكفاءة التكتيكية.
انهيار القيادة:
فشلت القيادة العليا في وضع خطة دفاعية متماسكة حول قاعدة سبايكر، رغم امتلاكها مزايا جغرافية وعسكرية تسمح لها بالصمود لأسابيع.
ويبقى السؤال الجوهري بلا إجابة حتى بعد مرور اثني عشر عاماً: من أصدر أمر الإخلاء؟
🫶تشير التحقيقات وشهادات البرلمان العراقي إلى أن الطلاب أُبلغوا صراحة بأن الطريق إلى بغداد آمن وأن عليهم إخلاء القاعدة. إن تجريد الطلاب من السلاح والأمر بخروجهم إلى منطقة عمليات نشطة تسيطر عليها قوى معادية حول القيادة العسكرية من موقع دفاعي حصين إلى مسلخ بشري. لم يكن هذا مجرد تقصير عسكري، بل كان تخلياً إجرامياً عن مسؤولية القيادة.
إعادة بناء الوقائع: ١٢-١٤ حزيران ٢٠١٤
على مدار ثمان وأربعين ساعة، قام مسلحو العشائر في تكريت ، بمشاركة عناصر محلية انضمت للتنظيم، بإعدام نحو ٢٠٠٠ طالب عسكري ومجند بشكل منهجي. تعد هذه المجزرة من أكثر الفظائع توثيقاً في العصر الرقمي، إذ سجلها الجناة أنفسهم بدقة متناهية لأغراض الدعاية والترهيب.
على مدار ثمان وأربعين ساعة، قام مسلحو تنظيم "داعش"، بمشاركة عناصر محلية و عندما نقول محلية نحن نعني العشائر انضمت للتنظيم، بإعدام نحو ٢٠٠٠ طالب عسكري ومجند بشكل منهجي، لتصبح هذه المجزرة واحدة من أكثر الفظائع توثيقاً في العصر الرقمي، بعد أن سجلها الجناة أنفسهم بدقة متناهية لأغراض الدعاية والترهيب. و حتى انهم نشروا الفيديوهات في يوم عيد الاضحى في ذكرى شنق صدام حسين . ونُفذت عمليات القتل الجماعي بشكل رئيسي في مجمع القصور الرئاسية في تكريت، و في بيوت العشائر وعلى طول ضفاف نهر دجلة التي تخضبت بالدماء، بالإضافة إلى خنادق مستحدثة حُفرت داخل معسكر سبايكر نفسه. واتبع المنفذون—الذين ضموا عناصر من تنظيم "داعش" من العشاير ، إلى جانب أفراد من فصائل مسلحة محلية مرتبطة بالنظام السابق—بروتوكولاً منهجياً للفرز؛ حيث أُجبر الضحايا على الاصطفاف وتسليم هوياتهم الثبوتية لعزل الطلاب الشيعة عمداً عن أقرانهم السنة. وعقب عملية العزل، سِيق الضحايا مقيدين وأُجبروا على الاستلقاء وجوههم إلى الأرض في خنادق ضحلة حيث أُطلق النار على رؤوسهم من الخلف، في حين سِيق عشرات آخرون إلى حافة منصة القصور الرئاسية المطلة على نهر دجلة، ليتم إعدامهم برصاص من مسافة قريبة وإلقاؤهم مباشرة في المياه.
وصف الخبراء الجنائيون الذين عملوا في مرحلة ما بعد التحرير فظاعة استخراج الجثث من المقابر الجماعية داخل مجمع القصور الرئاسية.
وقال أحد أخصائيي الأنثروبولوجيا الجنائية المشاركين في عمليات البحث:
"كانت التربة مشبعة بطبقات من الملابس، وبطاقات الهوية، وشظايا العظام. العديد من الضحايا كانت أيديهم لا تزال مقيدة بمرابط بلاستيكية.
إن حجم العمليات يظهر وجود تنسيق لوجستي عالي المستوى".
**✌لم تكن مجزرة سبايكر مجرد عملية عسكرية لإقصاء خصوم، بل كانت حملة تطهيرية ذات أبعاد إبادتية. سعى التنظيم من خلالها إلى صياغة سردية إرهابية قائمة على الهوية الدينية عبر استهداف الطلاب الشيعة بشكل منهجي.
و الكل يعلم بان اهالي تكريت هم الذين قاموا بهذه المذابح الفظيعة انتقاما لصدام حسين .
✌وفي السنوات التي تلت المجزرة،جمعت الهيئات الدولية، بما في ذلك فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم التي ارتكبها عشائر تكريت ، أدلة أثبتت أن المجزرة تستوفي الشروط القانونية لتصنيفها كـ:
🔢 جرائم حرب:
إعدام أفراد عزل ومستسلمين (خارج نطاق المعركة) يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف.
🔢 جرائم ضد الإنسانية:
🫶نُفذت عمليات القتل في إطار هجوم واسع النطاق ومنهجي موجه ضد سكان مدنيين ومجندين عزل.
عكس الاستهداف المنهجي وعزل الضحايا نية واضحة لإهلاك جماعة دينية محددة كلياً أو جزئياً.
سراب المساءلة
على الرغم من أن القضاء العراقي أصدر وتولى تنفيذ أحكام الإعدام بحق العشرات من عناصر ' اهالي تكريت ' و "داعش" الصغار والمتوسطين الذين اعتُقلوا عقب تحرير تكريت، فإن عائلات الضحايا ترى في هذه المحاكمات عدالة منقوصة وشكلية.
لا يزال المسار القانوني يشهد ثغرات بنيوية
🔘واضحة:
👍غياب المحاسبة العليا: لم تتم إدانة أو تحميل المسؤولية الجنائية لأي من القادة العسكريين الكبار أو المسؤولين الحكوميين عن الإهمال الهيكلي أو الأوامر التي أدت لإخلاء القاعدة.
🔘ثغرات قضائية:
👍أشارت منظمات حقوقية دولية إلى أن العديد من الأحكام استندت إلى اعترافات انتُزعت في محاكمات سريعة افتقرت لمعايير الإجراءات القانونية العادلة، مما حال دون كشف الحقائق الكاملة.
و في حقيقة الامر كل الذين كانوا متهمون قد افرج عنهم بعد قرار العفو العام .
🔘أزمة التعويضات:
👍على الرغم من الوعود الحكومية بمنح رواتب تقاعدية، وقطع أراضٍ، وفرص عمل لذوي الضحايا، فإن الروتين والفساد الإداري تركا آلاف العائلات دون الدعم المالي الذي أقره القانون.
تختصر أم محمد، وهي والدة ضحية من مدينة الناصرية قضت سبع سنوات بانتظار مطابقة الحمض النووي لرفات ابنها، لوعة العوائل قائلة: "أعدموا من ضغط على الزناد. لكن ماذا عن الذي سلم ابني لهم؟ ماذا عن الجنرالات الذين فروا؟"
الحشد وتحول الموازين
غيرت مجزرة سبايكر مسار التاريخ العراقي الحديث.
🗂ففي الثالث عشر من حزيران ٢٠١٤، أي بعد يوم واحد من بدء المجزرة، أصدر المرجع الديني الأعلى آية الله السيد علي السيستاني فتوى "الجهاد الكفائي". وضعت هذه الفتوى اللبنة الأساسية لتأسيس هيئة الحشد الشعبي، حيث تدفق آلاف المتطوعين لوقف تمدد التنظيم نحو بغداد.
ومع أن هذا التحشيد كان حاسماً في تحقيق النصر العسكري على التنظيم، فإنه أدى إلى تبدلات
🔘جيوسياسية عميقة:
🔘 تعدد المؤسسات الأمنية:
أفرز الصراع هياكل أمنية موازية أضافت أبعاداً جديدة لمعادلة سيادة الدولة.
المعادلة الإقليمية:
عمقت الحرب تداخل العراق في محاور الأمن الإقليمية، مما أدى إلى ترسيخ الانقسامات في المنطقة.
🫶بعد مرور اثني عشر عاماً، لا تزال ذكرى سبايكر تُستغل سياسياً من قبل أطراف مختلفة، في وقت تظل فيه الاحتياجات الحقيقية لعوائل الضحايا غائبة عن الأولويات.
الانتخابات اللامتناهي
ماذا تعني العدالة عندما يُغيب الآلاف في المقابر بينما يظل صناع القرار الفعليون بمنأى عن الحساب؟
وماذا تعني المساءلة عندما لا تزال الأمهات الثكالى يحملن صوراً باهتة بدلاً من الحصول على إجابات مؤسساتية واضحة؟
وهل يمكن لوطن أن يبرأ وجراح سبايكر ما زالت تُستغل سياسياً وتُهمل قانونياً؟
إن مأساة معسكر سبايكر ليست فريدة في وجعها، بل هي جزء من نمط بنيوي أعمق من الإفلات من العقاب يطبع النزاعات الحديثة في الشرق الأوسط. فالخلل المؤسساتي الذي سمح بذبح ١٧٠٠ شاب في تكريت هو ذاته الذي يحمي أصحاب النفوذ من المساءلة في ملفات وقضايا أخرى في المنطقة.
إن أمهات سبايكر ما زلن ينتظرن. لقد عاش حزنهن ليصير أطول عمراً من الحكومات، والحملات العسكرية، والوعود السياسية. وفي شتى أنحاء الشرق الأوسط، تنضم إليهن الآن أمهات أخريات في ذات السهد اللامتناهي؛ يحملن الصور، ويطالبن بالحقائق، ويطرحن سؤالاً يتردد صداه بلا مجيب: إذا كان الموتى لا يعودون، فمن الذي سيحاسَب أخيراً على موتهم؟