براغماتية السيادة السورية: تفكيك أبعاد موقف الشَّرع من الملف اللبناني والضغوط الدولية

التحليل الجيوسياسي والنقدي:
تأتي تصريحات الرئيس السوري أحمد الشرع أمام وفد من أهالي ريف دمشق لتعكس بوضوح خطوط الدبلوماسية السورية الجديدة القائمة على واقعية سياسية حذرة وإعادة ترتيب الأولويات الداخلية. نفي الشرع القاطع لما يُشاع حول دخول عسكري سوري إلى لبنان، ووصفه بـ "التكهنات"، يسعى مباشرة إلى قطع الطريق أمام المحاولات الدولية الحثيثة لتوريط دمشق في الرمال اللبنانية المتحركة.
هذا الموقف يأتي في توقيت باله الأهمية؛ فبعد تصعيد الـ 2 من آذار 2026 بين إسرائيل وحزب الله، واتفاق وقف إطلاق النار الهش في 17 نيسان، مارست واشنطن ضغوطاً واضحة على الإدارة السورية الجديدة. وجاءت تلميحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة حول إمكانية لعب دمشق دوراً أمنياً إقليمياً لمواجهة أطراف لبنانية، لتكشف عن رغبة غربية في تحويل سوريا إلى "شرطي حدود" أو أداة ضبط أمنية. جاء رد الشرع
حاسماً:
سوريا تدعم سيادة الدولة اللبنانية وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، لكنها لن تتحول إلى وكيل أمني ينفذ أجندات خارجية.
دمشق تدرك تماماً أن أي تورط عسكري خارج الحدود سيعيد إحياء إرث ما قبل عام 2005 المعقد، وهو ما يهدد مساعيها الحالية لتثبيت شرعيتها الدولية واكتساب تدفقات إعادة الإعمار ورفع العقوبات.
من جهة أخرى، فإن تأجيل ملف ترسيم الحدود يعكس ترتيباً ذكياً للأولويات؛ فـالأساس اليوم هو المعضلة الإنسانية والاقتصادية. تشير الأرقام الأممية والرسمية إلى وجود نحو 1.4 مليون نازح سوري في لبنان (منهم حوالي 716 ألفاً مسجلون رسمياً لدى مفوضية اللاجئين). ورغم أن أحداث الأشهر الماضية دفعت بأكثر من 418 ألف شخص لعبور الحدود نحو سوريا حتى حزيران 2026، إلا أن دمشق ترى أن إيجاد آلية مستدامة وكريمة لعودة بقية النازحين وتوفير البنى التحتية لهم هو الملف الأكثر إلحاحاً للاستقرار الداخلي، مقارنة بالملفات السياسية المؤجلة.
🔰قراءة من منظور محور المقاومة:
من منظور قوى المقاومة في المنطقة، تُقرأ تصريحات الشرع كرفض علني للانجرار خلف الفخاخ الأمريكية-الإسرائيلية المنصوبة لضرب المكونات الإقليمية بعضها ببعض. تحاول واشنطن عبر سياسة "الجزرة والعصا" والوعود برفع العقوبات، دفع القيادة السورية الجديدة لتبني موقف تصادمي مباشر ضد قوى المقاومة في لبنان تحت مسمى "ضبط الحدود".
تأكيد الشرع على أن توجه سوريا ينطلق من "إيقاف الحرب وليس توسيعها أو الانخراط فيها" يمثل إفشالاً لمشروع عزل لبنان واستفراد الاحتلال الإسرائيلي بجبهته الشمالية. تدرك دمشق، بحكم الجغرافيا السياسية الثابتة، أن أي انهيار أمني شامل في لبنان أو فرض إملاءات أمريكية كاملة على بيروت سيجعل الخاصرة الغربية لسوريا مكشوفة تماماً. وبالتالي، فإن النأي بالنفس عن الدخول العسكري المباشر غير محافظ على التوازنات الإقليمية الحيوية ويمنع تحويل الأراضي السورية إلى منطلق لتنفيذ تفاهمات أمنية تخدم مصالح تل أبيب وواشنطن.
تفكيك أبعاد موقف الشَّرع من الملف اللبناني والضغوط الدولية