الاتفاق التدريجي أو سياسة "فرض الأمر الواقع"

✍🏼محمد أصغري
كانت الاستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة طوال العقد الماضي على الأقل، هي إطلاق يد إسرائيل لإيجاد توازن مع إيران واحتوائها.
إن تحويل الأراضي المحتلة إلى ثكنة عسكرية كاملة الأركان ذات قدرة تحمل عالية وتجهيزها من جهة، والتدبير المحكم حول الحدود المحتلة من جهة أخرى، لم يكن إلا جهدًا لفتح وتثبيت "ممر سريع" لتوجيه ضربات خاطفة ومفاجئة إلى العمق الإيراني، وإيقاع الجمهورية الإسلامية في دوامة تنتهي في المطاف بـ "القبول الكامل بوجود إسرائيل".
والآن أيضًا، فإن العقدة الرئيسية في مشروع المفاوضات بين (قاليباف وترامب) لا تكمن في العقوبات ولا في الأموال المجمدة. القصة كلها تتلخص في أمرين:
1⃣إحباط تكتيك الحرب الإقليمية غير المتكافئة للجمهورية الإسلامية،
2⃣وتلك الكيلوغرامات القليلة من اليورانيوم؛
ولأي هدف؟ لجعل الهجوم الإسرائيلي المستقبلي على إيران أقل كلفة.
أما قصة اليورانيوم؛ فإن نظرة على نمط السلوك الأمريكي منذ "حرب الـ 12 يومًا" وحتى اليوم في مواجهة مسألة اليورانيوم، تظهر دخولهم في مسار تصاعدي شبيه بلعبة (البينغ بونغ) في سلم صنع القرار داخل الجمهورية الإسلامية.
إنهم يدركون جيدًا من هم الأشخاص في دوائر صنع القرار الكبرى في البلاد الذين يوافقون على التخلص من عبء اليورانيوم. وبعد تأكدهم من جدية هذه الفكرة لدى جناح أكثر نفوذًا من "الفريق المُستبعد" الذي أدار الاتفاق النووي السابق، قاموا بإدارة حرب الـ 12 يومًا أولاً، ثم الفترة المؤدية إلى "حرب رمضان"، وأخيرًا "مسار إسلام آباد" – بالطبع بأسلوب ترامب الباهظ الثمن – لكي يصلوا خطوة بخطوة إلى حل أقل مخاطرة بشأن تلك الكيلوغرامات.
لكن العقبة الرئيسية كانت إعلان شروط حكيمة (من القيادة العليا) أظهرت بوضوح عدم تأييد أصل التفاوض، وتحديداً حول الملف النووي؛ إذ كانت الشروط العشرة في عمقها تعجيزية (وُضعت لكي لا تتحقق)!
ومن الواضح أن الإعلان والإصرار المتكرر على هذه الشروط كان يُستخدم لكبح المسار المؤدي إلى المفاوضات النووية.
ومع ذلك، فإن الوضع الحالي لمنظومة السياسة في البلاد، وضغط المحصلة الناتجة عن حلقات صنع القرار المختلفة لحسم الملف النووي، والانسجام الغريب والمستمر – لكن المتوقع – لطبقات مهمة من نظام الحكم الإيراني (وإن كان بتفسيرات مختلفة) للمصالحة مع أمريكا في هذه المرحلة على الأقل وسحب الذريعة النووية منها، قد دفع البلاد في نهاية المطاف في هذه اللحظة نحو "اتفاق تدريجي" هدفه النهائي هو تسليم اليورانيوم.
النكتة الرئيسية
إن "الاتفاق التدريجي"، بدلاً من أن يؤدي وظيفته في زيادة أوراق القوة لانتزاع الامتيازات من أمريكا والمساومة لتحقيق الحقوق الوطنية، تحول إلى أداة لسياسة "فرض الأمر الواقع وتثبيته" (راه بنداز جابنداز) في الداخل الإيراني؛ وذلك في ظروف لا تملك فيها أي جبهة داخلية حاليًا القوة الكافية لفرض إرادتها النهائية بشأن اليورانيوم.
بلا مجاملة: الاتفاق التدريجي في هذا الموقف يعني تمهيد الأرضية لتمرير واستقرار الإرادة الأمريكية بشأن اليورانيوم.
المطالبون بالتفاوض، عندما لا يملكون القدرة على إقناع الشارع، ولا القوة لتدمير كل العقبات في صناعة القرار الكلي، يرون أن الحل الأفضل هو تثبيت المسار الذي قُطع لتسليم اليورانيوم حتى هذه المرحلة.
ربما تكون هذه أسوأ بدعة سياسية في فضاء الجمهورية الإسلامية، بدأت مع "الاتفاق النووي" وتُستغل اليوم بقوة: سياسة فرض الأمر الواقع وتثبيته (Run and Get settled ) بات الأمريكيون الآن يعرفونها ويلعبونها جيدًا، والإسرائيليون يفهمون أدوارها، ويبقى السؤال علينا نحن: هل نحن مستعدون لقبول هذا النموذج من الابتزاز الأمريكي أم لا؟ نعم: نحن أبناء الشارع!**