حج إلى واشنطن: لماذا تبدو زيارة علي الزيدي في تموز تكريساً للتبعية لا السيادة؟
حين يعلن المتحدث باسم الحكومة العراقية، حيدر العبودي، أن رئيس الوزراء المعين حديثاً، علي الزيدي، سيتوجه إلى واشنطن في النصف الثاني من تموز/يوليو 2026، فإن الخطاب الرسمي يحاول إدراج الزيارة تحت عباءة "التعاون الاقتصادي الشامل". تريد بغداد إقناع الرأي العام بأن الرحلة هي سعي طموح لجذب استثمارات الطاقة والبنية التحتية بناءً على "المصالح المشتركة". لكن أي مراقب مخضرم لآليات الحكم في العراق يدرك أن هذه الرواية الاقتصادية مجرد سراب غايته التغطية على الحقيقة؛ فالزيدي لا يطير إلى العاصمة الأمريكية كشريك اقتصادي مكافئ، بل يذهب لاستلام قائمة الشروط والإملاءات الأمريكية.
حبل المشنقة النفطي (البترودولار)
لفهم توقيت هذه الزيارة، يجب النظر إلى التوقيتات الزمنية والحسابات المصرفية. من المقرر أن يكتمل الانسحاب التدريجي للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2026. وبالتوازي مع ذلك، يحتفظ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بـ "زر الإعدام" الفعلي للسيادة العراقية من خلال البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حيث تُودع جميع عائدات النفط العراقي قبل أن يتم تقنين ضخها إلى بغداد بالدولار.
لا تحتاج واشنطن إلى احتلال عسكري تقليدي مباشر طالما أنها قادرة على إحداث انهيار فوري للعملة المحلية عبر تقييد تدفقات الدولار إلى البنك المركزي العراقي، وتحت ذريعة "امتثال مكافحة غسيل الأموال".
إن هذا الخناق الاقتصادي يتم توظيفه بشكل فج لإملاء السياسات الأمنية والخارجية للعراق. لقد وضعت إدارة ترامب شروطها بوضوح لا يقبل اللبس:
1. تجريد الفصائل من السلاح:
التحييد الكامل وتفكيك سلاح الحشد الشعبي والفصائل المسلحة، وربط هذا الملف بجدول الانسحاب الأمريكي في سبتمبر.
1. قطع شريان محور المقاومة:
إنهاء أي تناغم لوجستي، مالي، أو سياسي بين بغداد ومحور المقاومة، وتحديداً قطع الامتداد الاستراتيجي الذي يربط طهران بدمشق ولبنان واليمن.
ظلال "مأزق المالكي" والتنازل عن السيادة
إن صعود الزيدي نفسه إلى السلطة في أيار/مايو 2026 يمثل دليلاً حياً على مدى ارتهان السيادة العراقية. فالمرشح الأول للإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء مطلع هذا العام كان نوري المالكي. بيد أن تهديداً أمريكياً حاسماً وسريعاً من إدارة ترامب بقطع المساعدات المالية وتجميد أموال النفط، أجبر التحالف على سحب ترشيح المالكي فوراً.
أثبتت هذه النسخة المتجددة من "مأزق المالكي" أن واشنطن لا تزال تملك حق "الفيتو" على من يجلس في قصر السلام أو القصر الحكومي ببغداد. وجاء اختيار الزيدي—وهو رجل بنكي ورجل أعمال وافد جديد على المشهد السياسي—بوصفه شخصية تسوية قادرة على المناورة وسط هذا الابتزاز المالي. ومع ذلك، يذهب الزيدي إلى واشنطن وحكومته لم تكتمل بعد، مع بقاء حقائب سيادية حرجة كالدفاع والداخلية شاغرة بسبب الخلافات الداخلية، مما يجعله في موقف تفاوضي ضعيف أمام الإدارة الأمريكية.
قنوات واشنطن-طهران الخلفية ومستقبل المنطقة
لا يمكن فصل زيارة منتصف تموز عن المفاوضات المعقدة والحساسة التي تجري خلف الأبواب المغلقة بين واشنطن وطهران. تاريخياً، رغمت الولايات المتحدة العراق على لعب دور "حلبة الملاكمة" و"صندوق البريد" في آن واحد لتصفية حساباتها مع إيران. تحاول واشنطن استخدام الزيدي كأداة ضغط على الهيكل الإقليمي لإيران؛ فعبر التهديد بتجويع بغداد من الدولار، تسعى واشنطن لانتزاع تنازلات من طهران بخصوص نفوذها الإقليمي وحلفائها في لبنان واليمن. وفي المقابل، فإن أي تصعيد ميداني—مثل الهجمات الأخيرة بالطائرات المسيرة في أربيل أو الاحتكاكات البحرية—سيقلص هوامش المناورة الدبلوماسية إلى الصفر. ويخاطر الزيدي بتوقيع التزامات في واشنطن يستحيل تنفيذها على أرض الواقع في بغداد، مما قد يفجر الجبهة الداخلية بوجه حكومته من قبل الفصائل المراد تفكيكها.
إن الخطاب الاقتصادي الذي تبثه بغداد ليس سوى مخدر سياسي للاستهلاك المحلي؛ فهذه الزيارة هي استجواب سياسي تحت مقصلة الرافعة المالية الأمريكية. وطالما بقيت الثروة القومية للعراق رهينة في خزائن نيويورك، سيبقى "التحالف الاستراتيجي" مجرد تسمية منمقة للاستعمار المالي المستدام.