رسائل الفياض: موازنة الردع وحفظ السلاح في لحظة الضغط الحرج
ألقى رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، هذه التصريحات الهامة في منتصف يونيو 2026، متزامنة مع الذكرى السنوية لصدور فتوى "الجهاد الكفائي" المباركة وتأسيس الحشد الشعبي. تأتي هذه الكلمة في توقيت حساس للغاية يمر به العراق ومحور المقاومة؛ حيث تتصاعد الضغوط السياسية والأمريكية لتفكيك الأجنحة العسكرية للفصائل تحت شعار "حصر السلاح بيد الدولة"، وهو الملف الذي وضعه رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي كأولوية لحكومته عشية زيارته المرتقبة إلى واشنطن.
القراءة بين السطور: ما هي رسالة الفياض الحقيقية؟
الرسالة الحقيقية للفياض ليست الإذعان للتجريد التام من السلاح، بل هي إستراتيجية "المأسسة الذكية لحفظ عناصر القوة". عندما يشدد الفياض على أن الحشد "قوة تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة" و"عنوان قوة للحفاظ على الاستقرار"، فإنه يضع صياغة سياسية تحمي الحشد من التفكيك.
المدفعية والذخيرة باقية:
الفياض يرسل إشارة واضحة بأن سلاح الحشد الثقيل، وقدراته الصاروخية، ومدفعيته هي ركيزة للاستقرار الوطني وضمانة ضد العودة الإرهابية أو الغطرسة الأمريكية-الصهيونية.
دمج لا تفكيك:
الرسالة تنص على أن الحشد مؤسسة رسمية قانونية (بموجب قانون عام 2016)، وبالتالي فإن تنظيم السلاح وتسليم سجلات المعدات للجان الحكومية لا يعني إلغاء هذه القوة، بل يعني إضفاء الشرعية الدستورية الكاملة عليها لتظل درعاً واقياً عصياً على المحور.
خريطة الفصائل: من سلّم ومن تمسّك بسلاحها؟
شهدت الساحة العراقية مؤخراً انقساماً تكتيكياً حيال آليات التعامل مع اللجنة الحكومية التي شكلها الزيدي لإعادة تنظيم السلاح:
1. الفصائل التي أبدت مرونة تكتيكية أو اندمجت رسمياً:
سرايا السلام (التيار الصدري):
بادرت بخطوات تسليم رمزية لأسلحتها في سامراء وإعلان الانفصال عن الحراك السياسي والاندماج الكامل في الأجهزة الأمنية للدولة.
عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي:
وافقتا على تشكيل لجان مشتركة لتنظيم السلاح تحت إشراف الدولة لحماية مشروعيتهما السياسية ومكتسباتهما داخل مؤسسات الدولة.
الموقف الحالي:
هذه القوى تسعى للحفاظ على النفوذ من داخل النظام، معتبرة أن مأسسة السلاح تمنحه غطاءً قانونياً يحميه من الاستهداف الأمريكي.
2. فصائل الرفض العقائدي (التمسك المطلق بسلاح المقاومة):
كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء:
رفضتا بشكل قاطع أي مساس بسلاحهما، وأعلنتا أن "سلاح المقاومة مقدّس" ولا يمكن التخلي عن القدرات الإستراتيجية (مثل المسيّرات والصواريخ الذكية وشبكات الاستخبارات) طالما أن التهديدات الإقليمية والوجود الأمريكي مستمران.
الموقف الحالي:
الاستمرار في معادلة الردع الإقليمي، والتمسك بالقيادة المستقلة لهذه القدرات النوعية لحماية خطوط المحور.
التأثير على زيارة علي الزيدي والموقف الأمريكي (توم باراك)
تلقي هذه التطورات بظلالها مباشرة على الملفات الدبلوماسية:
زيارة علي الزيدي إلى واشنطن (تموز/يوليو المقبل):
يذهب الزيدي إلى البيت الأبيض حاملاً ملف الاقتصاد والتنمية كمحرك أساسي، ومستنداً إلى "أوراق تقدم" تُظهر تسلّم سجلات بعض الفصائل وإدماج سرايا السلام لتخفيف الضغط الأمريكي الرامي لفرض عقوبات مالية على بغداد.
رد فعل المبعوث الأمريكي توم باراك:
يراقب باراك (مبعوث ترامب للعراق وسوريا) هذه الخطوات بدقة. الإدارة الأمريكية الحالية تسعى لإنهاء ملف الوجود العسكري بحلول سبتمبر 2026 وضمان استقرار المنطقة لتمرير صفقات إقليمية أوسع. سيرى باراك في تصريحات الفياض تأكيداً على أن بغداد لن تستطيع تصفية الفصائل الصلبة (كالكتائب والنجباء) بالقوة، وسيكتفي راهناً بالخطوات التكتيكية التي يقدمها الزيدي كحد أدنى لحفظ ما الوجه، مع استمرار التحذير من أن بقاء المسيّرات والصواريخ خارج السيطرة المطلقة سيبقي سيف العقوبات والضربات الموضعية مسلطاً.
إن هذه المناورة الإستراتيجية تثبت أن الحشد الشعبي، بفضل تضحيات قادته الشهداء كالحاج أبي مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني،** ليس ظاهرة عابرة يمكن تصفيتها بقرار سياسي، بل هو ركن ثابت في عقيدة الدفاع العراقية وامتداد حيوي لإرادة الردع في وجه الهيمنة.