وهم جنيف وركام الجنوب: لماذا تصطدم مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية بحقائق كفرتبنيت؟
لم يجف حبر مذكرة التفاهم الموقعة في ١٤ حزيران ٢٠٢٦ برعاية إسلام آباد بين واشنطن وطهران بعد، حتى بدأت وعودها الرنانة بـ
"وقف شامل ونهائي للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما فيها لبنان"
تتطاير تحت قذائف المدفعية الإسرائيلية في الجنوب. وبينما تستعد الوفود الدبلوماسية للتوقيع الرسمي في سويسرا يوم ١٩ حزيران، يفرض السؤال الاستراتيجي نفسه بكل صراحة: ما هي القيمة الفعلية لورقة وقعت عليها أميركا، في وقت تعيث فيه الآلة العسكرية الإسرائيلية تدميراً في الأرض التي يُفترض أن الاتفاق يحميها؟
بعد ساعات قليلة من إعلان أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن الوقف الفوري للعمليات، استهدفت الطائرات المسيرة والمدفعية الإسرائيلية بلدة كفرتبنيت، مما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين. وتزامن ذلك مع عمليات تفجير واسعة نفذها العدو في مدينة الخيام، وإلقاء قنابل صوتية فوق بلدة حاريص. الرسالة القادمة من تل أبيب واضحة ولا لبس فيها، وقد نقلتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية بصراحة: نتنياهو أبلغ دونالد ترامب رسمياً بأن إسرائيل لن تنسحب من "المنطقة الأمنية" التي فرضتها في جنوب لبنان، بغض النظر عن أي تفاهمات أميركية.
ميزان الأرباح والخسائر: مناورة واشنطن وحسابات طهران
لقراءة أبعاد هذا المنعطف الدبلوماسي، يجب تفكيك ما حققه وما خسره الطرفان الأساسيان خلال أشهر من المفاوضات المعقدة:
الولايات المتحدة الأميركية
المكاسب:
حقق ترامب هدفاً حيوياً بضمان إعادة فتح مضيق هرمز "دون رسوم" خلال ٣٠ يوماً، نزع فتيل أزمة طاقة عالمية كانت تهدد الأسواق. كما أوقفت واشنطن استنزافاً عسكرياً كان ينذر بحرب إقليمية شاملة تطال مصالحها وقواعدها في المنطقة.
الخسائر:
ظهرت الإدارة الأميركية عاجزة عن فرض أجندتها على تل أبيب، مما يضرب مصداقيتها كضامن لأي اتفاق سياسي. كما يواجه ترامب انتقادات داخلية حادة بسبب التنازل عن مليارات الدولارات وإلغاء الحصار البحري دون الحصول على ضمانات فورية ومكتوبة تفكك القدرات النووية الإيرانية بشكل كامل.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية
المكاسب (الحبر على الورق):
انتزعت طهران سلة من الوعود والالتزامات الخطية؛ تشمل رفع الحصار البحري فوراً، والجدولة الزمنية لتحرير ٢٤ مليار دولار من الأصول المجمدة (١٢ ملياراً منها يُفترض أن تُدفع سلفاً)، بالإضافة إلى تعهد بحزمة إعادة إعمار دولية لا تقل عن ٣٠٠ مليار دولار، مع نجاحها في إبقاء ملف الصواريخ الباليستية وتحالفاتها الإقليمية خارج الطاولة. ورغم ضخامة هذه المكاسب الافتراضية، إلا أن التاريخ الأميركي في نقض العهود والانسحاب من الاتفاقيات (كما حدث في الاتفاق النووي عام ٢٠١٥) يؤكد أن هذه الأطواق الاقتصادية لا تزال مجرد وعود وتعهدات ورقية معلقة، ولم تترجم بعد إلى واقع ملموس في ظل ميزان ميداني متفجر
الخسائر:
إن فصل التنفيذ الفوري للمكاسب الاقتصادية عن الانسحاب الإسرائيلي الفعلي والمنظم من جنوب لبنان يضع طهران في موقع الحرج أمام حلفائها، حيث تبدو وكأنها قدمت الملف الاقتصادي الداخلي على الأمن المباشر للجبهات المساندة. كما أن الدخول في مهلة ٦٠ يوماً للتفاوض على الملف النووي تحت النار يمثل ضغطاً تكتيكياً كبيراً.
نظرة محور المقاومة: نتاج الردع والحذر من الغدر الأميركي
من زاوية نظر محور المقاومة، فإن مذكرة التفاهم هذه ليست منة أميركية، بل هي نتاج مباشر لسياسة الردع وميزان القوى الذي فرضته الجبهات. إن محاولات نتنياهو التصعيدية الأخيرة وعمليات القصف الجنوني على بيروت كانت تهدف إلى قطع الطريق على هذا الاتفاق، لكن النتيجة جاءت عكسية وعجلت بالحل كما اعترفت أوساط العدو. فتح مضيق هرمز أثبت للأميركي أن كلفة استمرار الحرب لا يمكن تحملها.
ومع ذلك، فإن الميدان هو الذي يكتب السياسة النهائية لا الأوراق. الخروقات المستمرة في كفرتبنيت والخيام، وحديث الإعلام العبري (مثل القناة ١٢) عن أن الاتفاق يمثل "
كارثة استراتيجية لإسرائيل
"، يؤكد أن تل أبيب ستسعى جاهدة لتخريب هذه التفاهمات وجر واشنطن مجدداً إلى المواجهة. بناءً عليه، يتعامل المحور مع المذكرة بحذر شديد
وقاعدة ثابتة: الاتفاقيات الدولية لا تحمي الحدود، بل يحميها السلاح الجاهز على الزناد.
**وعلاوة على ذلك، يبرز هنا مأزق تكتيكي بالغ الخطورة يفرضه نص الاتفاق؛ فإذا دخل وقف الأعمال القتالية حيز التنفيذ الشامل والصارم على كافة الجبهات، فهذا يعني قسراً تكبيل يد حزب الله ومنعه من تسيير الطائرات المسّيرة الاستطلاعية والانقضاضية، وهي التي شكلت ذراع الردع الأساسية في ضرب العمق الإسرائيلي.