سراب التفاهم: ترامب يقايض بمذكرة غير مضمونة
في 14 يونيو 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن توقيع مذكرة تفاهم أولية بوساطة باكستانية لإنهاء الحرب المستعرة منذ ثلاثة أشهر مع إيران. وفي سلسلة تصريحات متلاحقة، زعم ترمب أن الاتفاق يضمن عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً، مهدداً بفتح
"أبواب الجحيم
" إذا سعت طهران لذلك. كما وصف الحرب في لبنان بأنها "
ثانوية
"، وكشف عن اقتراحه لإسرائيل بأن
تتولى سوريا أمر حزب الله،
موجهاً انتقاداً حاداً لبنيامين نتنياهو بقوله إن الهجوم على بيروت لا يروق له، ومذكّراً إياه: "
من دوني لن تكون هناك إسرائيل".
من منظور جيوسياسي تحليلي ونقدي، لا تعد هذه المذكرة تسوية استراتيجية، بل هي مجرد هدنة تكتيكية هشّة فرطت فيها واشنطن بأوراق قوتها.
يتحرك ترامب بدافع الضغوط الداخلية واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، سعياً لخفض أسعار النفط وإعلان نصر دبلوماسي سريع. لكن المذكرة أجلت الملفات الأكثر تعقيداً—وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني وتخزين طهران لأكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من درجة النقاء العسكري—إلى مفاوضات تقنية تبدأ في جنيف في 19 يونيو 2026.
من منظور محور المقاومة، فإن هذا الاتفاق لا يُقرأ كتحول في النوايا الأمريكية، بل كتراجع اضطراري فرضته معادلات الميدان وصمود الجبهات، وهو ما ترجمته وسائل الإعلام الرسمية في طهران تحت عنوان "أمريكا أُجبرت على إنهاء الحرب". ومع ذلك، فإن المذكرة تفتح الباب أمام تناقضات وجودية وتساؤلات صعبة يواجهها الشارع الإقليمي اليوم:
١- هل يمكن الوثوق بترامب؟ إننا نتحدث عن الرئيس نفسه الذي انقلب بجرّة قلم عام 2018 على الاتفاق النووي الموقع عام 2015 (JCPOA) والمحصن دولياً. وإذا كانت المعاهدات الدولية الرسمية لم تلزم واشنطن، فما هي القيمة الفعلية لمذكرة تفاهم مؤقتة؟
٢- التناقض السيادي والتاريخي: كيف يمكن لطهران أن توقع مذكرة تفاهم مع الشخص نفسه الذي أصدر أمر اغتيال القائد الشهيد قاسم سليماني في يناير 2020، وهو مهندس الاستراتيجية الإقليمية للمقاومة؟ علاوة على ذلك، كيف يستقيم إبرام معاهدة مع إدارة تقدم الدعم الاستخباري واللوجستي والغطاء السياسي للاغتيالات الإسرائيلية الممنهجة التي تستهدف القيادات العسكرية والسياسية العليا في ايران من اهمها اغتيال الشهيد اية الله السيد علي خامنئي ( قائد الجمهورية الايرانية ) هل يمكن للبراغماتية السياسية أن تتعايش مع حملة مستمرة ومباشرة تهدف إلى تقويض الهيكل القيادي للمحور؟كيف تستقيم البراغماتية السياسية مع دم لا يجف؟
٣- تسليع الجبهة اللبنانية: حين يصف ترمب الحرب في لبنان بأنها "ثانوية" ويحاول المساومة على سلاح المقاومة، فإنه يؤكد المؤكد: الجبهات الإقليمية في نظر واشنطن ليست سوى أوراق مقايضة في لعبة الأمم الكبرى.
ومع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس صراحة أن تل أبيب لن تلتزم بالإطار الأمريكي ومستمرة في احتلالها لجنوب لبنان، يصبح السؤال الأهم: هل يملك ترمب فعلياً القدرة على إلزام أحد بهذا الاتفاق، أم أنه يبيع سراباً لتأمين مصالحه الانتخابية؟