امتداد "اتفاقيات أبراهام": كيف تقوض مذكرة تفاهم ترامب بنية جبهات المقاومة؟

لا يمكن قراءة مذكرة التفاهم الأولية المعلنة في 14 يونيو 2026 بين دونالد ترمب وإيران كاختراق دبلوماسي منفصل، بل هي امتداد هيكلي مباشر لمنظومة "اتفاقيات أبراهام"، المصممة لتفكيك حركات المقاومة عبر صفقات عزل مقايضة.
الترابط الهيكلي والأدلة الميدانية
قامت الفلسفة الجوهرية لاتفاقيات أبراهام عام 2020 على بناء حزام أمني إقليمي يدمج الاحتلال الإسرائيلي ويقيد جبهات المقاومة. وتأتي مذكرة التفاهم لعام 2026 لتطبيق هذا النموذج البراغماتي والتجاري مباشرة على ملفات المنطقة.
وتتجلى الأدلة في التفاصيل التشغيلية للمذكرة:
مسار باكستان-جنيف:
عبر تفعيل الوساطة الباكستانية لتجميد مخزون إيران البالغ 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب قبيل محادثات جنيف المقررة في 19 يونيو، يعيد ترامب إنتاج الدبلوماسية السرية نفسها التي صاغت اتفاقيات التطبيع السابقة.
تعهيد الاحتواء:
تصريح ترامب العلني بأنه اقترح على إسرائيل أن "
تتولى سوريا أمر حزب الله
" يكشف الجوهر الحقيقي لاتفاقيات أبراهام؛ وهو التعامل مع حركات التحرر الإقليمية كملفات أمنية يتم مقايضتها عبر أطراف ثالثة لضمان أمن تل أبيب.
المقايضة البحرية:
إن رفع الحصار البحري الأمريكي عن مضيق هرمز مقابل تنازلات تقنية يعكس أسلوب الحوافز الاقتصادية نفسه، حيث تُعامل الممرات الاستراتيجية السيادية كأوراق تفاوض تجارية.
الأثر على جبهات المقاومة (لبنان، اليمن، العراق)
من خلال فصل الملف النووي عن بنية الدفاع الإقليمية المشتركة، تسعى المذكرة إلى الاستفراد بساحات المقاومة جغرافياً وسياسياً:
لبنان:
وصف ترمب الصريح للحرب المدمرة في لبنان بأنها "ثانوية" يمنح ضوءاً أخضر ضمنياً لوزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس لرفض الإطار الأمريكي علناً، ومواصلة احتلال الجنوب وتكثيف الضربات على بيروت دون خشية من رد إقليمي شامل.
اليمن والعراق:
بالنسبة لفصائل الحشد الشعبي في العراق وحركة أنصار الله في اليمن، تمثل هذه المذكرة محاولة لقطع الترابط اللوجستي والسياسي بين ساحات المواجهة المشتركة، بهدف الاستفراد بكل ساحة على حدة تحت غطاء مكافحة الإرهاب المزعومة.
التناقض السيادي وصمت القيادة
يضع هذا المشهد الشارع الإقليمي وكوادر المقاومة أمام تناقض تاريخي وبنيوي صارخ. إن الدخول في تفاهمات مع دونالد ترامب—الذي انقلب على اتفاق 2015 وصاحب أمر اغتيال الجنرال قاسم سليماني و القائد الشهيد أبو مهدي المهندس عام 2020—يمثل أزمة وجودية لخطاب الدبلوماسية الثورية.
كيف يمكن صياغة تفاهمات مع قوى دولية تدير وتمول وتوفر الغطاء الاستخباري واللوجستي لحملات الاغتيال الممنهجة الموجهة ضد أعلى الهياكل القيادية والعسكرية في المنطقة؟
وفي ظل هذا التخبط الاستراتيجي، يبرز معطى أساسي؛ حيث إن القائد الحالي لإيران، السيد مجتبى خامنئي، يلتزم الصمت المطبق ولم ينوّه أو يدلي بأي تعليق حتى اللحظة بشأن هذه المذكرة. **هذا الصمت من أعلى هرم في الجمهورية الإسلامية يحمل دلالات عميقة، ويعكس بوضوح حجماً كبيراً من الرفض وعدم إعطاء شرعية لصفقات براغماتية تمس العقيدة الدفاعية الإقليمية التي عُمدت بدماء الشهداء.