لماذا يُعتبر بناء تصور النصر في إيران على أساس صورة الهزيمة في إسرائيل خطأً حسابياً خطيراً؟
علي عبدي
نظراً لأنّ وسائل الإعلام الرسمية في إيران، ولا سيما التلفزيون الوطني، إلى جانب خبرائه ومحلليه السياسيين، تثبت دائماً انتصارات إيران في النزاعات الأخيرة مع أمريكا والكيان الصهيوني، وخاصة في لحظات الاتفاقات السياسية الحساسة، من الاتفاق النووي (البرنامج النووي) حتى الاتفاق الأخير بعد حرب رمضان، اعتماداً على صورة الهزيمة في مواقف المسؤولين السياسيين وحتى العسكريين والأمنيين، وكذلك خبراء ومحللي وسائل إعلام الكيان الصهيوني. لذا رأيت من الضروري التحذير من خطأ منهجي ومعرفي في هذا الصدد.
أولاً: يجب أن ندرك أن جزءاً كبيراً من صورة الهزيمة هذه ينبع من التنافسات والصراعات السياسية الداخلية داخل الكيان الصهيوني.
من يعرف الأجواء السياسية الداخلية في إسرائيل يدرك جيداً أن حدة التنافس السياسي في تل أبيب، إن لم تكن أكثر منها في طهران، فهي ليست أقل. لذا فإن صورة هزيمة الحكومة القائمة في تل أبيب، التي يروّج لها المعارضون، تُعرض بشكل أساسي للاستهلاك السياسي الداخلي. وهذا العرض يكون أحياناً شديداً لدرجة أنه يبدو ثقيلاً حتى بالمقارنة مع تنافساتنا السياسية الداخلية.
ربما لا يعلم البعض أو نسوا أن التيار الاجتماعي والسياسي الذي يصوّت لنتنياهو هو نفسه التيار الذي كان في التسعينيات يتظاهر ضد إسحاق رابين، رئيس الوزراء آنذاك، لأنه لم يكن قوياً بما يكفي في مواجهة أعداء إسرائيل، وكان ينظم مراسم علنية للدعاء عليه واللعن، بل وصل الأمر إلى اغتياله في النهاية.
هذا هو التيار نفسه الذي حوّل قبر قاتل المصلين في الحرم الإبراهيمي بالخليل (باروخ غولدشتاين) إلى مزار.
من الطبيعي جداً أن يكون هذا التيار وشخصياته غير راضين عن أي اتفاق بين أمريكا وإيران، حتى لو كان هذا الاتفاق على حساب إيران. فالاتفاق والمفاوضات بحد ذاتها لا تقود إيران بالسرعة والشدة التي يريدونها نحو الدمار.
إن الفصائل السياسية في الكيان الصهيوني، وخاصة الجناح اليميني وقاعدته الاجتماعية، تتسم من الناحية النفسية السياسية والأمنية بنوع من التطرف الأمني الحاد، أي أن نظرتهم للتهديدات هي نظرة صفرية، ولا يرون الوضع المثالي إلا في التدمير الكامل للتهديد في أقصر وقت ممكن، وأي وضع آخر، حتى لو كان تدميراً طويل الأمد مع أضرار جسيمة في المدى القصير، يعتبرونه هزيمة. وهذا ما أسميه "التطرف الأمني" أو "الكمالية الأمنية".
ومن خصائص هذه الروحية والثقافة، خاصة عندما تقترن بالتنافسات السياسية الداخلية، أن الجناح السياسي المعارض، لكي يزيد الطين بلة في منافسيه، يصور أن إسرائيل دفعت ثمناً باهظاً في الحرب ولم تحقق أي إنجاز.
يجب فهم مواقف شخصيات مثل نفتالي بينيت، غادي آيزنكوت، يائير غولان، بيني غانتس، أفيغدور ليبرمان، يائير لبيد وآخرين، وهم جميعاً رؤساء أحزاب المعارضة ومناهضون لنتنياهو، في هذا الإطار، ولا ينبغي إعطاؤها وزناً أكبر من ذلك. تماماً مثل مواقف التيارات السياسية الداخلية لدينا في الملفات السياسية والدبلوماسية المهمة.
في أمريكا الأمر مشابه إلى حد كبير. الانتقادات التي هي في الغالب مجرد مشاحنات وصراعات سياسية داخلية، وتبقى في مكانها مهما حدث، لا ينبغي أن تؤثر على جهازنا الإدراكي والتحليلي، ولا أن تعمل كمخدر أو تهويدة.
ثانياً: لو كان لدى المرء أدنى معرفة بالسيكولوجيا الفردية والجماعية لهذا الشعب، ليدرك جيداً أن لديهم مبدأ أساسياً، وهو أنهم حتى بين أنفسهم لا يظهرون أنفسهم راضين أو سعداء، بل هم دائماً في حالة أنين وتذمر وشكوى. فما بالك بموقفهم تجاه الآخرين وغير اليهود.
وهذه الخصلة، التي ينبع جزء كبير منها من الوعي واللاوعي الفردي والجماعي لهذه الجماعة، وتنتج عن تجربتهم الحياتية الممتدة لألفي عام. تجربة العيش كأقلية بين شعوب ودول مختلفة، لم تصل أبداً إلى حياة مرضية، وهذا السخط الفردي والجماعي، إلى جانب الشعور بالاستحقاق تجاه العالم والبشر، تحول إلى موقف أساسي وجذري في نفس وعقلهم، وشكل الكيان الصهيوني كذات دائمة السخط والتذمر والاستحقاق في الأراضي المحتلة.
لذا، فإن بناء صورة النصر وتصوره، سواء عن غير قصد أو عن عمد، على أساس كتابات وصور الأنين والتذمر من قبل هذه الجماعة في وسائل إعلامهم، يعتمد على تجاهل هذه الحقيقة النفسية المهمة، مما يؤدي إلى خطأ حسابي قد يكون له عواقب وخيمة وخطيرة على البلاد، وأعتقد أنها كانت كذلك حتى الآن.