موازين دمشق الجديدة: حكامة الشارع، ترحيل معتقلي "داعش"، ومقامرة ترامب ببديل الوكالة

بعد مرور ثمانية عشر شهراً على سقوط النظام البعثي في ديسمبر 2024، تسعى الإدارة الانتقالية في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني) جاهدةً للتحول من فصيل مسلح إلى سلطة مركزية سيادية.
يواجه هذا التحول اختبارات ميدانية معقدة، تتركز في احتواء خلايا تنظيم "داعش"، وإعادة صياغة العلاقة مع القوى الكردية، والتعامل مع المحاولات الدولية لتوظيف دمشق في مواجهة قوى المنطقة.
جبهة "داعش" الميدانية وملف المعتقلين
رغم الأصول الأيديولوجية المتباعدة في الفضاء الإسلامي، فإن الصدام بين حكومة الشرع وتنظيم "داعش" يتخذ طابعاً صفرياً. وتواصل وزارة الداخلية الانتقالية، برئاسة أنس خطاب، عملياتها الأمنية والعسكرية لتفكيك خلايا التنظيم في البادية والمناطق الوسطى.
وفي تطور استراتيجي مطلع عام 2026، ومع تقدم القوات الحكومية شرقاً لتسلم مراكز الاحتجاز والسجون في الرقة ودير الزور، وتفادياً لسيناريوهات فرار جماعي قد تزعزع الاستقرار الهش، تدخل الجيش الأمريكي بشكل مباشر. وبالتنسيق مع السلطات في دمشق، نفذت القوات الأمريكية عملية نقل واسعة لآلاف من عناصر وقادة "داعش" المصنفين عالي الخطورة من سجون شمال شرق سوريا إلى منشآت احتجاز مؤمنة داخل الأراضي العراقية. هذا الإجراء أزاح عبئاً أمنياً داهماً عن كاهل حكومة الشرع، وعكس في الوقت ذاته مستوى من البراغماتية الميدانية في التعامل بين دمشق والقيادة المركزية الأمريكية.
دمج "قسد" وإنهاء الهوية الانفصالية
على الصعيد الداخلي، وبعد مواجهات عسكرية حادة شهدها مطلع شهر يناير 2026 في محيط حلب وأريافها الشرقية أدت إلى نزوح نحو 148 ألف مدني، اتجه الطرفان نحو تسوية فرضتها المعطيات الميدانية:
في 16 يناير 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع مرسوماً اعتبر فيه الأكراد "مكوناً أساسياً من الشعب السوري"، معتمداً اللغة الكردية كلغة وطنية.
وفي 30 يناير، وبتنسيق غير مباشر رعاه المبعوث الأمريكي توم باراك، تم توقيع اتفاق دمج شامل قضى بإنهاء صيغة الإدارة الذاتية؛ حيث بدأت وزارة الدفاع بدمج ألوية ووحدات "قوات سوريا الديمقراطية" (بما فيها وحدات حماية المرأة الكردية YPJ) ككتل نظامية كاملة ضمن قوام الفرقتين العسكريتين للحسكة وحلب التابعتين للجيش السوري.
خط الحجاز السككي: الالتفاف على الممرات البحرية المغلقة
دبلوماسياً واقتصادياً، تسعى دمشق لتثبيت موقعها الإقليمي عبر مشاريع البنية التحتية العابرة للحدود. ففي 10 يونيو 2026، وقعت تركيا والمملكة العربية السعودية مذكرة تفاهم لإعادة إحياء "خط سكة حديد الحجاز" التاريخي. ويهدف المشروع إلى ربط السعودية برياً عبر الأردن وسوريا (مروراً بدمشق وحلب) وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا. هذا الممر اللوجستي، الذي تقدمه أنقرة والرياض كبديل للممرات البحرية المضطربة جراء إغلاق مضيق هرمز المستمر والتوترات الملاحية، يمنح الجغرافيا السورية دوراً حيوياً كحلقة وصل اقتصادية بين الخليج وأوروبا.
تصريحات ترامب في قمة السبع: محاولة لفرض "وكالة" ضد المقاومة
تأكيداً على هذا التحول الصاعد في وزن دمشق الإقليمي، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة مجموعة السبع (G7) بفرنسا يوم 16 يونيو 2026 لتكشف بوضوح عن الرؤية الأمريكية الجديدة. ترامب، الذي أبدى عدم رضاه عن وتيرة العمليات الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان، دعا علناً إلى ترك هذه المهمة لدمشق.
إسرائيل تحارب حزب الله منذ فترة طويلة جداً والعديد من الناس يقتلون... لقد اقترحتُ على إسرائيل أن تترك سوريا لتتولى أمر حزب الله. لأنني لكي أكون صادقاً معكم، أعتقد أنهم سيقومون بعمل أفضل في ذلك."
— الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قمة السبع (16 يونيو 2026)
تكشف هذه القراءة الأمريكية عن رغبة واضحة في استغلال القدرات العسكرية المتمرسة لقوات الشرع لمحاصرة واحتواء "محور المقاومة". ويأتي هذا الطرح متسقاً مع الخطوات الأمنية الأخيرة لدمشق؛ حيث أعلنت وزارة الداخلية السورية في 5 مايو الماضي عن تفكيك شبكة مرتبطة بحزب الله في عدة محافظات، مشيرة إلى أنها كانت تخطط لاستهداف شخصيات حكومية رفيعة.
المنظور التحليلي والمآلات**
تواجه قيادة أحمد الشرع معضلة حقيقية في إدارة التناقضات؛ فهي من جهة تستفيد من التنسيق العملياتي مع واشنطن لضبط شرق الفرات وتأمين ملف معتقلي التنظيمات المتطرفة، وتستند إلى الدعم اللوجستي التركي-الخليجي لإعادة إعمار البنية التحتية عبر مشاريع كبرى كخط الحجاز. لكن من جهة أخرى، فإن الدفع الأمريكي لجر دمشق إلى صدام مباشر ومفتوح مع حزب الله ومكونات المحور يمثل حقل ألغام حقيقي.