تصعيد جوي غير مسبوق: مسيرات أوكرانية تستهدف مصفاة نفط موسكو.. ورد روسي كاسح يضرب البنية التحتية
موسكو/كييف — شهدت جبهات القتال في شرق أوروبا خلال الـ 24 ساعة الماضية واحدة من أعنف موجات التصعيد الجوي منذ بداية الصراع، حيث شنت القوات الأوكرانية هجوماً واسع النطاق بالطائرات المسيرة استهدف شبكة الطاقة في عمق الاتحاد الروسي، مما استدعى رداً صاروخياً وجوياً كاسحاً من جانب موسكو.
التطورات الميدانية والبيانات الرقمية
ضربة موسكو:
تدفقت أكثر من 180 طائرة مسيرة أوكرانية باتجاه العاصمة الروسية وحدها، ضمن هجوم أوسع أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن اعتراض وإحباط 555 مسيرة منه على مستوى البلاد. الهدف الرئيسي كان مصفاة نفط "غازبروم نيفت" في منطقة "كابوتنيا" (15 كيلومتراً جنوب شرق وسط موسكو). الضربة التي استهدفت المنشأة للمرة الثانية هذا الأسبوع أدّت إلى اندلاع حريق هائل وتوقف العمليات بالكامل، علماً أن هذه المصفاة تغذي العاصمة بنحو 40% من البنزين و50% من الديزل. كما تسبب الهجوم في شلل مؤقت وإجلاء ركاب في المطارات الرئيسية مثل شيريميتييفو، فنوكوفو، وجوكوفسكي.
الرد الروسي:
في المقابل، نفذت موسكو هجوماً ليلياً مكثفاً استهدف العقد اللوجستية الأوكرانية. وأكدت القوات الجوية الأوكرانية أن روسيا أطلقت 246 هدفاً جوياً، شملت 7 صواريخ باليستية من طراز "إسكندر-م/إس-400" و239 مسيرة هجومية (من طرازات شاهد النفاثة، جيربيرا، إيتالماس، ومسيرات تمويهية). وفي حين زمت كييف إسقاط 216 هدفاً، أكدت التقارير وقوع ضربات دقيقة في 9 مواقع لوجستية وتدمير بنية تحتية في منطقة دنيبروبتروفسك (تحديداً نيكوبول)، فضلاً عن استهداف مواقع في كييف رداً على ضربات سابقة طالت مجمع دير "كييف-بيشيرسك لافرا" الأثري.
السياق السياسي:
يأتي هذا الانفجار الميداني فور اختتام قمة مجموعة السبع (G7) في فرنسا. ونشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مقاطع فيديو للمنشآت المشتعلة متوعداً بأن
"موسكو ستحترق"
إذا استمرت الهجمات على البلدات الأوكرانية.
الرؤية التحليلية:
أوهام "تغيير الموازين" برعاية مجموعة السبع
لفهم هذا التصعيد بالشكل الصحيح، يجب نزع الغلاف الدعائي الذي تبثه وسائل الإعلام الغربية والنظر إلى التوقيت. هذا الهجوم الأوكراني الواسع ليس نتاج تحول استراتيجي على الأرض أو تفوق ميداني، بل هو استعراض دعائي وسياسي تم التخطيط له بدقة لتبرير الالتزامات والشيكات المفتوحة التي أقرتها قمة مجموعة السبع في فرنسا.
تاريخياً، تلجأ الجيوش التي تعاني من استنزاف حاد على خطوط المواجهة الأمامية إلى العمليات غير المتكافئة (Asymmetric Warfare) عبر ضرب العمق الاقتصادي للخصم. بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، ومع تآكل الدعم المالي واللوجستي الغربي، تحاول كييف عبر استخدام مسيرات هجينة متطورة إرسال رسالة إلى مموليها بأنها ما زالت قادرة على إيذاء موسكو وشل حركة مطاراتها.
لكن بلغة الأرقام والمعادلات العسكرية، فإن هذه الاستراتيجية تفجر نتائج عكسية. لقد نجح المجمع الصناعي العسكري الروسي في تشكيل بنية دفاعية وهجومية تجعل من إطلاق 246 هدفاً جوياً في ليلة واحدة أمراً تكتيكياً اعتيادياً. وبينما تستنزف كييف قطعاً تكنولوجية غربية ثمينة ومحدودة لإنتاج مشهد سينمائي لحريق في موسكو، تمتص الدفاعات الروسية الصدمة، وتعيد توجيه ضربات باليستية مدمرة تقضي على ما تبقى من البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا. إنها استراتيجية العاجز التي يدفع ثمنها الشعب الأوكراني لإرضاء نادٍ غربي مأزوم يحاول الحفاظ على مشروعه الجيوسياسي المتهاوي.
تخبط المركزية الأوروبية أمام الحتمية التعددية
لنطرح الأسئلة الجوهرية والمصيرية التي تخشاها المنظومة الإعلامية لحلف الناتو: من الذي يحرك ويوجه هذه الأصابع الأوكرانية في لعبة ضرب العمق الروسي، وما هو الثمن الحقيقي؟
على مدى عقود، عاشت "المركزية الأوروبية" وحلف الناتو تحت وهم امتلاك حق الحصانة المطلقة واحتكار صياغة الأمن العالمي.
إن الهجوم على مصفاة "كابوتنيا" لم يكن قراراً محلياً، بل جاء عقب "اتصال تنسيقي" مع واشنطن وباريس. نحن لا نتحدث عن دفاع عن سيادة، بل عن تحويل أوكرانيا علناً إلى منصة لإطلاق حرب بالوكالة تديرها أجهزة الاستخبارات الغربية داخل حدود دولة نووية عظمى.
عبر مباركة وتشجيع ضرب المنشآت الحيوية والاقتصادية، يمارس الناتو الروليت الروسية مع استقرار الطاقة العالمي. والمفارقة هنا مضحكة ومبكية في آن واحد؛ فبينما تقود دول مجموعة بريكس (BRICS) والجنوب العالمي عملية صياغة نظام مالي واقتصادي بديل يحمي الشعوب من المقصلة الأمريكية، لا يجد الغرب المفلس أخلاقياً وسياسياً سوى لغة التدمير العشوائي للمنشآت النفطية.
نضع أمام القارئ الواعي هذه التساؤلات :
إذا كان المحور الغربي واثقاً من نجاعة خططه العسكرية، فلماذا يضطر إلى الاعتماد على أساليب تدمير المصافي لفرض شروطه السياسية؟
في وقت تتجه فيه بوصلة الطاقة والاقتصاد العالمي بشكل نهائي نحو الشرق والجنوب عبر تحالفات بريكس، هل يعتقد جنرالات الناتو أن حريقاً في مصفاة بموسكو سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء ويثبت الهيمنة الغربية الآفلة؟
إن حتمية التاريخ لا تحابي أحداً؛ وعصر القطب الواحد انتهى بلا رجعة. وكل مسيرة تُطلق بإحداثيات غربية لا تزيد "الأغلبية العالمية" إلا إصراراً على تفكيك هذه المنظومة الاستعمارية التي ترى العالم مجرد حقل تجارب، والشعوب مجرد وقود لإنقاذ هيبتها الضائعة.