«على الأصول»: كيف جردت القيادة الإيرانية دعاة التهدئة من غطائهم السياسي؟
شهدت الساحة السياسية والإعلامية في إيران تحولاً جذرياً عقب صدور البيان الأخير للسيد مجتبى حسيني الخامنئي بشأن مذكرة التفاهم بين رئيسي إيران والولايات المتحدة. ورغم أن البيان حمل «إذناً مشروطاً» للمضي قدماً، إلا أن العبارة المفتاحية المدوية:
«أنا على الأصول كان لي رأي آخر»
تحولت في أقل من أربع وعشرين ساعة إلى شعار استراتيجي وسلاح فكري بيد الشارع الإيراني والحاضنة الشعبية للتيار الثوري.
1. إسقاط خطة التستر خلف «القرار السيادي»
طالما حاولت الأطراف الحكومية والدبلوماسية في طهران تمرير مسار التفاوض عبر إقناع القواعد الشعبية والدينية بأن كل خطواتها تحظى بغطاء وتنسيق كاملين من القيادة العليا، وهو السلاح الذي استخدموه لإسكات القوى المعترضة في الشارع، والتي واصلت احتجاجاتها لأكثر من مئة يوم تحذيراً من التنازل عن أوراق القوة الإيرانية كإغلاق المضائق وغيرها.
جاءت عبارة «على الأصول كان لي رأي آخر» لتضع حداً قاطعاً لهذا التوظيف؛ حيث جردت هذا المسار من أي شرعية عقائدية أو استراتيجية، مُعلنةً أن الإذن الممنوح هو «إذن اضطراري» من باب إقامة الحجة وإلزام الحكومة بتحمل تبعات خياراتها. وبذلك، انفرط عقد الرواية التي حاولت تشبيه هذه المفاوضات بـ «صلح الحديبية» لتبرير التراجع أمام النخب الدينية.
2. من أروقة السياسة إلى منبر الحماسة: تفاعل رسولي وعرفان بور
لم تقف العبارة عند حدود التحليل السياسي، بل سرعان ما تلقفتها الرموز الفكرية والفنية للتيار الثوري، لتتحول إلى ملاحم شعرية ومجالس عاشورائية صاخبة:
•الشاعر ميلاد عرفان بور:
في قصيدة لاذعة صدرت فور بث البيان، جعل من ردف «#علىالأصول » سوطاً يُحاكم به النزعة التوفيقية لدى بعض المسؤولين. واعتبر عرفان بور أن التخلي عن الميدان والركون إلى وعود العدو هو «اجتهاد شخصي وخوف» يتقاطع مع الرأي الأصيل للقيادة. ولم يتردد الشاعر في اقتباس مفردات البيان عينه («الدلسوزي وحسن النظر») ليؤكد أن هذا التحرك، وإن حمل نوايا طيبة، فهو خطأ جسيم وتراجع غير مبرر.
• الرادود مهدي رسولي:
في مجلس عزاء حسيني أقيم بعد يوم واحد من البيان، نقل مهدي رسولي المعركة إلى أبعادها العقائدية المطلقة، هاتفاً أمام الحشود:
«#علىالأصول .. طريق الحسين والشمر منفصلان، وليس ثمة مجال للمساومة والتسليم بل هي عاشوراء».
وأكد رسولي في أدائه الحماسي أن الولاء الحقيقي يكمن في اتباع «الموقف المبدئي والأصيل للمولى» (الرافض للتفاهم)، وليس في الاتكاء على الإذن المشروط، مستشرفاً فشل هذه العهود مع الطرف الأمريكي.
3. ميزان قوى جديد ومكشوف
إن صياغة البيان التي حصرت الاتفاق في كونه «بين رئيسي البلدين» وليس «بين الدولتين»، جردت المذكرة من صبغتها التاريخية والدائمة، لتتحول إلى إجراء حكومي مؤقت محفوف بالمخاطر وتحت مسؤولية السلطة التنفيذية وحدها.
اليوم، يجد الفريق الدبلوماسي نفسه مكشوفاً تماماً أمام الرأي العام وبلا غطاء سيادي يحميه من النقد. لقد أعادت عبارة «#على_الأصول » الزخم والحقانية للشارع المحتج، وجعلت المفاوضات الحضورية المقبلة تحت مجهر ورقابة صارمة من القواعد العقائدية للنظام، والتي لن تسمح بأي مساس بحقوق الشعب أو بمكتسبات جبهة المقاومة.