وهم الدبلوماسية في سويسرا: كيف يهدد اتفاق "بورغنستوك" جبهة المقاومة

وصل رئيس مجلس الشورى الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، إلى زيورخ ملتحفاً بعباءة أدبيات الشهادة، ومستحضراً أرواح أطفال "ميناب" ليضفي شرعية أخلاقية على جلوسه في قاعة المفاوضات. لكن البلاغة الخطابية لا يمكنها حجب الحقيقة
🔘الجيوسياسية الفجة:
إن الجلوس وجهًا لوجه مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ومبعوثي واشنطن هو تفاوض مباشر مع المنظومة ذاتها التي اغتالت القائد اية الله السيد على الخامنئي و اللواء قاسم سليماني، وأدارت عقوداً من الحروب المفتوحة ضد الجمهورية الإسلامية وقيادتها التاريخية. إن حديث قاليباف عن العودة
"بمرفوع الرأس"
من منتجع "بورغنستوك" بعد مساومة العدو الإمبريالي لا يمثل ديبلوماسية ناجحة، بل يشكل تصدعاً هيكلياً في جدار بيئة المقاومة.
يتحرك قاليباف وفق حسابات واهمة تفترض إمكانية بناء اتفاق أخلاقي أو متوازن مع الولايات المتحدة. والتاريخ القريب يقدم شهادة دموية قاطعة على أن المبادرات الدبلوماسية لفلول الهيمنة الأمريكية ليست أدوات للسلام، بل هي آليات للتجريد من عناصر القوة والتركيع:
العراق:
✌في أعقاب غزو عام 2003، فرضت واشنطن إيداع كافة عائدات النفط العراقي في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تحت مسمى "صندوق تنمية العراق". ونتيجة لذلك، لا تستطيع بغداد تسييل أموالها وإدارة موازنتها دون موافقة شهرية مسبقة من وزارة الخزانة الأمريكية.
✌وعندما طالب البرلمان العراقي بانسحاب القوات الأجنبية، هددت واشنطن صراحة بتجميد حسابات العراق النفطية وحرمانه من أمواله. هذا التحكم المطلق بشريان البترودولار يمنح واشنطن حق "الفيتو" المالي الفعلي على القرارات السياسية والعسكرية السيادية للعراق.
ليبيا:
✌بعد أن سلمت طرابلس برامجها الدفاعية الاستراتيجية طواعية مقابل وعود الاندماج الدولي، نالت غزو الناتو الذي دمر الدولة. ومنذ الإطاحة بمعمر القذافي، دخلت ليبيا في نفق مظلم من الصراعات القبلية والعسكرية المزمنة، وانقسمت البلاد بين حكومات متنافسة وميليشيات مسلحة متناحرة، مما حول دولة كانت مستقرة وغنية إلى ساحة حرب أهلية مفتوحة بلا سيادة.
سوريا:
✌أدت التدخلات الغربية الرامية لتفتيت الدولة إلى حرب كارثية مزقت نسيجها، ليتجسد الثمن اليوم في اقتتال داخلي دموي بين الجماعات المتطرفة؛ حيث تدور مواجهات عنيفة بين بقايا تنظيم "داعش" وفلول "هيئة تحرير الشام" بقيادة أحمد الشرع (المعروف بأبو محمد الجولاني). الجولاني، الذي انشق عن تنظيم القاعدة ليقود حكماً قمعياً في شمال غرب البلاد، يواجه هجمات مستمرة من خلايا داعش التي تحاول ضرب الاستقرار ونشر الإرهاب، مثل المحاولة الإرهابية التي أحبطت لضرب مقام السيدة زينب في دمشق. هذا الواقع المفتت هو النتيجة المباشرة للمشاريع الأمريكية.
إن الدخول في هذه المفاوضات الممتدة لستين يوماً يهدد بوقوع طهران في الفخ الاستراتيجي عينه. هذا المسار الدبلوماسي ليس معزولاً، بل يتشابك عضويًا مع الهندسة الإقليمية الأمريكية الرامية إلى توسيع نطاق "اتفاقيات أبراهام" التطبيعية.
لا تسعى واشنطن إلى تعايش مستدام، بل تهدف إلى تحييد الردع الإقليمي لإيران؛ ومن خلال فرض قيود على أمن الملاحة في مضيق هرمز وتقليص الدعم لعمق جبهة المقاومة، يسعى هذا المسار إلى عزل طهران عن حلفائها في بيروت، ودمشق، وصنعاء.
إن إضفاء الشرعية على اتفاق بهذه الشروط يخدم مباشرة الرؤية الأمريكية-الصهيونية للمنطقة، والتي تقوم على دمج الكيان الصهيوني عبر "اتفاقيات أبراهام" مقابل تفكيك واحتلال أوراق القوة الإقليمية لمحور المقاومة.
قد يرى قاليباف أن الشهداء يراقبون خطاه، لكن الوفاء الحقيقي لدمائهم يتطلب الثبات في ميادين المواجهة، لا توقيع تفاهمات تهدد الأمن القومي الجماعي لكل قوى التحرر في المنطقة