هل تعرف لماذا اختير منتجع برغنشتوك للمفاوضات الأميركية – الإيرانية ؟

حين تُعقد مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، لا يكون اختيار المكان مجرد تفصيل بروتوكولي. ففي عالم الدبلوماسية، تحمل الأمكنة رسائل لا تقل أهمية عن الكلمات. ولهذا لم يكن اختيار منتجع برغنشتوك السويسري صدفة، بل قراراً يجمع بين الجغرافيا والسياسة والرمزية في آن واحد.
أولا" - يقع برغنشتوك في قلب سويسرا تقريباً، ضمن كانتون نيدفالدن، فوق سلسلة جبلية ترتفع نحو 874 متراً فوق سطح البحر، وتشرف مباشرة على بحيرة لوتسيرن، إحدى أجمل بحيرات أوروبا. ويبعد المنتجع نحو 15 كيلومتراً فقط عن مدينة لوتسيرن، وأقل من ساعة عن زيورخ. ومن يقف على شرفاته يشعر وكأنه معلق بين السماء والماء، حيث تتلاقى قمم الألب مع البحيرة في مشهد يكاد يكون أسطورياً. وتُعد طرق الوصول المحدودة إليه، سواء عبر الطريق الجبلي أو القوارب والتلفريك، سبباً إضافياً يجعله مكاناً مثالياً للمؤتمرات والمفاوضات الحساسة.
ثانيا" - لكن الجغرافيا ليست سوى جزء من القصة فالمنتجع يحمل أيضاً رمزية الدولة المضيفة ، أي سويسرا التي ارتبط اسمها منذ عقود بالحياد والوساطة وحل النزاعات ، ولهذا فإن الاجتماع على الأراضي السويسرية يمنح الأطراف المتخاصمة شعوراً بأنها تتحاور في مساحة محايدة لا تنتمي إلى أي منها.
ثالثا" - أما المفاجأة التي قد لا يعرفها كثيرون، فهي أن المنتجع ليس سويسري الملكية بالكامل. فمنذ عام 2007 بدأت الجهات القطرية الاستثمار في المشروع، قبل أن تنتقل ملكيته عملياً إلى شركة - ديار- القطرية ثم إلى مجموعة كاتارا هوسبيتاليتي، الذراع الفندقية التابعة لجهاز قطر للاستثمار، أي الصندوق السيادي القطري. وقد أنفقت قطر ما يقارب مليار دولار لإعادة بناء المنتجع بالكامل خلال مشروع استمر نحو تسع سنوات، قبل افتتاحه بصورته الحالية عام 2017 ثم تدشينه رسمياً عام 2018.
رابعا"- هنا تبرز دلالة سياسية لافتة. فدولة قطر لعبت خلال السنوات الماضية دور الوسيط بين واشنطن وطهران في العديد من الملفات المعقدة، وحافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين. ولذلك فإن انعقاد المفاوضات في منتجع تملكه جهة قطرية يضيف بعداً رمزياً آخر: فالدولة الوسيطة حاضرة في المشهد حتى لو لم تكن جالسة على الطاولة نفسها.
خامسا"- أما المنتجع نفسه، فهو أشبه بمدينة صغيرة للضيافة الفاخرة. فهو يمتد على أكثر من كيلومتر كامل فوق الحافة الجبلية، ويضم أربعة فنادق فاخرة تحتوي مجتمعة على نحو 383 غرفة وجناحاً، إضافة إلى 67 جناحاً سكنياً مستقلاً، و12 مطعماً ومقهى، ومركزاً طبياً، ومنتجعاً صحياً جبلياً تبلغ مساحته نحو عشرة آلاف متر مربع، فضلاً عن قاعات مؤتمرات ومرافق رياضية وترفيهية متعددة.
سادسا"- ولعل ما يضفي على المكان سحراً إضافياً أنه كان لعقود طويلة مقصداً للمشاهير ورجال الأعمال والعائلات المالكة ، فقد ارتاده نجوم هوليوود وكبار أثرياء العالم، وشهد عام 1954 زواج الممثلة العالمية أودري هيبورن من الممثل ميل فيرير في الكنيسة الصغيرة الموجودة داخله ، واليوم ما زال يعد من أكثر المنتجعات جذباً للنخب السياسية والاقتصادية العالمية، إضافة إلى محبي السياحة الفاخرة من أوروبا والخليج وآسيا.
سابعا**"- لم تكن هذه المفاوضات الأميركية – الإيرانية الحدث السياسي الأول الذي يشهده المنتجع. ففي عام 2002 استضاف "اتفاق برغنشتوك" الذي ساهم في تثبيت وقف إطلاق النار في جبال النوبة بالسودان، وفي عام 2004 استضاف الجولة النهائية من مفاوضات خطة الأمم المتحدة لتوحيد قبرص المعروفة بخطة عنان. أما في حزيران/يونيو 2024 فقد استضاف قمة السلام الخاصة بأوكرانيا بمشاركة عشرات الدول والمنظمات الدولية. ولذلك أصبح اسم برغنشتوك مرتبطاً شيئاً فشيئاً بمسارات التفاوض وصناعة التسويات الدولية.
لهذا كله، فإن اختيار برغنشتوك لم يكن اختياراً لمجرد منتجع فاخر يطل على بحيرة جميلة. إنه اختيار يجمع بين حياد سويسرا، وذاكرة المكان المرتبطة بصناعة السلام، وحضور الوساطة القطرية غير المباشر. وفي عالم السياسة الدولية، قد يكون عنوان الاجتماع جزءاً من مضمونه، وقد تحمل الجغرافيا رسائل لا تقل أهمية عما يقال داخل قاعات التفاوض ، فالأماكن، مثل الكلمات، تُختار بعناية.