تفاهم جنيف يمزق أوهام معراب والصيفي: "اللجنة الثلاثية" تسقط رهانات المقاطعة وتعمق صراخ "السياديين"

لا تزال الارتدادات الجيوسياسية لـ قمة بحيرة لوسيرن في سويسرا (21-22 حزيران 2026) تهز أركان الصالونات السياسية لليمين اللبناني، محدثة صدمة وعياً ونكوزاً سياسياً غير مسبوق. إن ولادة "آلية التنسيق وفض الاشتباك الثلاثية"—التي صيغت مباشرة بين واشنطن وطهران برعاية سويسرية ومشاركة قطرية-باكستانية—وضعت القوى الإنعزالية في بيروت أمام حقيقة مرة لطالما حاولوا الهروب منها: الولايات المتحدة اعترفت رسمياً بإيران كشريك ندّي وحيد لإدارة الاستقرار الإقليمي، متجاوزة تماماً أدواتها المحلية.
تشريح الهستيريا "السيادية" المزيفة
على مدى عقود، رهن سمير جعجع (رئيس القوات اللبنانية) وسامي الجميل (رئيس حزب الكتائب) خياراتهم السياسية على وهم التدخل العسكري الأمريكي المباشر لنزع سلاح المقاومة الإسلامية. لكن مذكرات التفاهم (MOU) الأخيرة في سويسرا جاءت لتنسف هذه الخيالات دفعة واحدة. ومن هنا، يمكن فهم حجم الهستيريا والصراخ السياسي الذي ملأ المنابر:
انفعال سامي الجميل:
خرج رئيس الكتائب من الصيفي بتصريحات يملؤها العجز، قائلاً: "لن نتعايش مع حزب الله وسلاحه مهما كانت نتائج المفاوضات في الخارج". وحاول الجميل تسويق سردية ممجوجة تدعي أن إيران تستخدم لبنان كورقة لإنقاذ ما تبقى من عسكر المقاومة، متجاهلاً أن هذا السلاح هو الذي منع استباحة لبنان وتحويله إلى مستعمرة صهيونية.
تهديدات معراب والوزير رجي:
بالتوازي مع ذلك، كشفت مصادر صحفية أن سمير جعجع لوّح بالخروج من الحكومة وتفجير الوضع السياسي الداخلي في حال تم المساس بوزير الخارجية يوسف رجي (المعيّن في حكومة نواف سلام منذ شباط 2025). معراب ترى في أي تعديل وزاري يطال رجي—المحسوب على الخط الدبلوماسي الغربي—استهدافاً سياسياً مباشراً لشخص جعجع وإجهازاً على آخر أوراق الضغط التي يمتلكها.
جماعة أشرف ريفي:
ولم يتأخر اللواء المتقاعد أشرف ريفي وجماعته عن ركوب موجة البكاء السياسي، واصفين التفاهم الأمريكي-الإيراني في سويسرا بأنه "طعنة في الظهر" وتخلٍّ دولي عن مشروعهم المسمى "سيادياً".
أسئلة الاشتباك الجيوسياسي المقلقة أمام هذه المواقف المتشنجة
يجد المحلل الخبير نفسه مجبراً على طرح أسئلة نقدية حادة تكشف حجم التناقض الأخلاقي والسياسي لجبهة معراب-الصيفي:
أين هي السيادة من عربدة نتنياهو؟
في وقت يتباكى فيه سامي الجميل على السيادة الوطنية بسبب وجود تفاهم دولي يحمي دماء اللبنانيين، لماذا تخرس ألسنة القوات والكتائب أمام تصريحات رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو الذي يتبجح علناً بأن "قوات الاحتلال في جنوب لبنان تتمتع بحرية كاملة في التحرك ولا توجد أي قيود عليها"؟ هل أصبحت الدبلوماسية الدولية احتلالاً، بينما الاحتلال الصهيوني الفعلي وقصف القرى في النبطية واستهداف عمال البلديات يمر مرور الكرام في حساباتكم؟
ما البديل الواقعي الذي تملكونه؟
إذا كانت القوة العظمى الأولى في العالم (أمريكا) قد أدركت—عبر نائب الرئيس جي دي فانس والمستشار جاريد كوشنر في لوسيرن—أنه لا يمكن صياغة أي ترتيبات للمنطقة دون الجلوس مع طهران والاعتراف بوزنها الاستراتيجي، فهل يعتقد جعجع والجميل حقاً أن صراخهم الإعلامي قادر على تغيير حركة التكتونيات السياسية الكبرى؟
التناقض في مفهوم "الدولة":
تطالبون ليل نهار بأن تكون الدولة هي صاحبة القرار. وعندما تتلقى رئاسة الجمهورية ممثلة بالرئيس جوزيف عون اتصالاً ثلاثياً من واشنطن والدوحة لمناقشة آلية "فض الاشتباك" لحفظ الأمن وتأمين انسحاب الاحتلال، يهدد جعجع بتعطيل الحكومة من أجل مقعد وزاري!
فهل الأولوية لديكم هي سيادة الدولة أم الحفاظ على حصصكم الطائفية المتهالكة؟
معادلة الميدان تفرض شروطها
إن لجوء الإدارة الأمريكية لإنشاء "خلية فض اشتباك" تضم واشنطن وطهران وبيروت برعاية قطرية-باكستانية يعكس حقيقة لا لبس فيها:
السلاح الإيراني وحلفاؤه في محور المقاومة هم الرقم الصعب في المعادلة.
ورغم الخروقات الغادرة للعدو—من استهداف المقاتلين في محيط "علي الطاهر" إلى قصف المدنيين—فإن هذه اللجنة الثلاثية تعني عملياً محاصرة الكيان الصهيوني سياسياً وإجبار مشغلّه الأمريكي على كبح جماحه خوفاً من انهيار التفاهم السويسري الشامل.
لقد ولى الزمن الذي كانت فيه قوى الداخل تستقوي بالخارج لتغيير المعادلات الداخلية؛ فسلاح المقاومة باقٍ كدرع يحمي سيادة لبنان، والقرار الإقليمي بات يمر حتماً عبر العواصم التي صمدت وقاومت، بينما لا يتبقى لخصوم المحور سوى البكاء على أطلال رهاناتهم الساقطة.