مفاوضات بورغنستوك: التنازلات التكتيكية والانفصام المؤسساتي في السياسة الخارجية الإيرانية

تكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزارة الخارجية الباكستانية والمسؤولين الأمريكيين بشأن قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران في سويسرا عن فجوة متزايدة بين الخطاب الأيديولوجي الإيراني وآليات التنفيذ الاستراتيجي على الأرض. إن الإطار التفاوضي المعلن —والذي يشمل الملف النووي، الأرصدة المجمدة، خفض التصعيد في لبنان، والبروتوكولات البحرية في مضيق هرمز— يؤشر على تحول جوهري في الموقف الإيراني.
١. الخطاب الثوري مقابل البراغماتية المؤسساتية
إن إقحام الملف النووي في المفاوضات الحالية يمثل تراجعاً صريحاً عن المحددات الصارمة التي وضعها التيار المحافظ، والتي انعكست بوضوح في الرسائل الأخيرة المنسوبة للسيد مجتبى خامنئي، والتي أكدت على رفض دمج الملف النووي في أي تسويات إقليمية. ومع ذلك، فإن المشاركة النشطة لرئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ومساعد وزير الخارجية كاظم غريب آبادي في محادثات سويسرا تثبت أن مؤسسات الدولة الإيرانية تتحرك عبر مسار موازٍ تمليه حسابات الضرورة. وتحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، اختارت القوى التنفيذية والتشريعية إعطاء الأولوية للحفاظ على هيكل الدولة على حساب السقوف الأيديولوجية المعلنة.
٢. مضيق هرمز: التخلي عن ورقة الضغط البحري
يتجلى التراجع الأكثر وضوحاً في الملف البحري؛ فبعد أشهر من الترويج الإيراني لفرض قواعد جديدة في مضيق هرمز تشمل رسوم عبور، وتصاريح أمنية، ورسوم حماية بيئية بالتنسيق مع مسقط —بهدف شرعنة السيادة الإيرانية على الممر الدولي— جاء الإعلان الباكستاني لينسف هذه المعادلة.
تأكيد وزير الخارجية الباكستاني بأنه "لن تكون هناك رسوم عبور، أو تكاليف، أو أذونات" يمثل تراجعاً تكتيكياً فرضته المهلة الأمريكية الصارمة، والتي هددت بإنهاء المفاوضات فوراً في حال تقييد حركة الملاحة. وفي حين يحاول الإعلام الرسمي الإيراني المناورة داخلياً عبر التمييز بين "الرسوم الجمركية المحظورة" و"تكاليف الخدمات البحرية والبيئية"، فإن الحقيقة الجيوسياسية تؤكد أن طهران تنازلت عن ورقة المضيق مقابل تأمين مخرج دبلوماسي يضمن الإفراج عن الأرصدة المجمدة لتغطية واردات السلع الزراعية والغذائية.
٣. الخلاصة: قواعد اشتباك مستقلة
أنتجت القوى السياسية التي تدير أجهزة الدولة الإيرانية (حكومة بزشكيان وفريق قاليباف البرلماني) قواعد اشتباك مستقلة تقوم على حسابات البقاء المادي لا الاستمرارية العقائدية. وبينما يتم الحفاظ على ملف الصواريخ الباليستية كخط أحمر اسمي لإرضاء القاعدة الداخلية، جرى تسييل الملفين النووي والبحري كأوراق مقايضة لتجنب الانهيار الاقتصادي والمواجهة العسكرية الشاملة.**