قراءة في مقال بترايوس وخلفيات "الانقلاب النفطي"

الفصل الأول: بترايوس.. من قائد عسكري إلى ممثل رأس المال
لم يكتب بترايوس مقاله بصفته ضابطاً متقاعداً أو مؤرخاً عسكرياً. فهو اليوم:
• رئيس مجلس إدارة "كيه كيه آر الشرق الأوسط" (KKR)، وهي شركة استثمارية عملاقة تدير أصولاً تتجاوز 720 مليار دولار.
• شريك في KKR، التي أبرمت شراكات استراتيجية في قطاع النفط والغاز مع أدنوك الإماراتية.
• رئيس سابق للـ CIA وقائد سابق للقوات الأميركية في العراق.
هذا يعني أن مقاله ليس تحليلاً أكاديمياً محايداً، بل بياناً سياسياً-استثمارياً يهدف إلى تهيئة الأجواء لتدفق رأس المال الأميركي إلى قطاع الطاقة العراقي.
الفصل الثاني: ماذا قال بترايوس في مقاله؟
أبرز ما ورد في مقاله:
• التنسيق المؤسسي: وصف الاعتقالات بأنها نتيجة تضافر جهود القضاء ومكتب رئيس الوزراء وجهاز مكافحة الإرهاب.
• الانتقال من البقاء إلى الحكم: رأى أن العراق يمر بلحظة تحولية قد تجعله فاعلاً استراتيجياً في المنطقة.
• الالتزام بموعد 30 سبتمبر: شدد على ضرورة تسليم الأسلحة غير المرخصة، معتبراً ذلك اختباراً حقيقياً لسلطة الدولة.
أما ما لم يقله:
• لم يشر إلى أن العديد من المعتقلين هم من المقربين من رقباء حلبوسي، مما يكشف أبعاداً سياسية داخلية.
• لم يذكر دوره كرئيس لقسم الشرق الأوسط في KKR، أو المصالح الاستثمارية للشركة في قطاع الطاقة.
• لم يتطرق إلى أن الحملة تأتي قبيل زيارة الزيدي لواشنطن، والتي تهدف أساساً إلى جذب استثمارات نفطية أميركية.
الفصل الثالث: لماذا كتب بترايوس؟
يمكن قراءة مقاله كحلقة ضمن سيناريو أكبر:
1. تغطية "الانقلاب النفطي" بغطاء قانوني
حملة الاعتقالات، بحسب مصادر فرانس برس، هي جزء من تحضيرات زيارة الزيدي إلى واشنطن. الهدف المعلن: جذب استثمارات أميركية. أما الهدف الخفي: إعادة هيكلة قطاع النفط لصالح شركات أميركية، وإخراج الشركات الصينية والروسية من السوق العراقية.
2. توجيه الرأي العام
يريد بترايوس أن يُقرأ المشهد في الغرب والعراق كـ"انتصار للدولة"، لا كتصفية حسابات سياسية أو تمهيد لنهب النفط.
استخدامه لمصطلحات مثل "سيادة القانون" و"المؤسسات" و"الحوكمة" يهدف إلى إضفاء شرعية أخلاقية على عملية هي في جوهرها إعادة توزيع للنفوذ والثروة.
3. رسالة إلى إيران والأطراف الإقليمية
مقاله يبعث برسالة ضمنية إلى طهران: "العراق يتحرك نحو الاستقلال عن نفوذكم، وأميركا تدعم هذا التوجه".
وتأكيده على مهلة 30 سبتمبر هو تحذير غير مباشر للفصائل المسلحة المدعومة من إيران بأن الوقت ينفد.
4. تمهيد الطريق لصفقات KKR
بصفته ممثلاً لرأس المال الاستثماري، يريد بترايوس أن يقول لمجتمع الأعمال الأميركي:
"العراق أصبح آمناً وقانونياً، استثمروا فيه".
حملة الاعتقالات تُقرأ في الأوساط المالية كـ"تطهير للبيئة الاستثمارية" من الشبكات الفاسدة التي كانت تعوق دخول الشركات الغربية.
الفصل الرابع: نقاط الالتقاء بين مقال بترايوس وسياق "الانقلاب النفطي"
لكي نفهم مغزى مقال بترايوس، علينا أن نقرأ ما بين سطوره، ونربط كل جملة كتبها بالواقع الذي حدث على الأرض. إليك قراءة مبسطة لأبرز النقاط التي التقت فيها روايته بالحدث الفعلي:
بكل سرور. إليك التلخيص المطلوب لهذا الجزء:
• "عودة سلطة الدولة" حقيقتها: تصفية رقباء سياسيين لتمهيد سيطرة الحكومة على قرارات النفط.
• "الالتزام بموعد 30 سبتمبر" حقيقته: ضغط أميركي لنزع سلاح الفصائل وفتح الباب للشركات الأميركية.
• "العراق أصبح مهماً استراتيجياً" حقيقته: إعادة تعريف العراق كحليف نفطي لأميركا.
• "مكافحة الفساد" حقيقته: قطع شبكات تهريب النفط لإيران لصالح الشركات الغربية.
كل جملة في مقال بترايوس تحمل وجهين: وجه ظاهر يبشر بالإصلاح، ووجه خفي يرسم ملامح مستقبل عراقي يخضع للمصالح النفطية والاستثمارية الغربية.
الخاتمة: شهادة ميلاد "العراق الجديد" أم غطاء للاستعمار النفطي؟
بترايوس، بذكاء السياسي المخضرم ورجل الاستخبارات، يقدّم رواية جذابة عن العراق:
دولة تعود إلى نفسها، ومؤسسات تتعافى، وقضاء ينتصر، وحكومة تمسك بزمام الأمور.
لكن هذه الرواية، بحسب الأدلة المتوفرة، تخفي أكثر مما تكشف:
• تغفل عن أن الحملة جزء من صراع على الثروة النفطية.
• تتجاهل أن بترايوس نفسه لاعب في هذا الصراع، بصفته شريكاً في KKR.
• تختزل تعقيدات العراق السياسية في قصة بطولية عن "حكم القانون"، بينما الواقع صراع حاد على السلطة والمال.
في النهاية، يمكن قراءة مقال بترايوس كـ "بيان صحفي" لانطلاق مرحلة جديدة من العلاقة بين العراق وأميركا، حيث تصبح السيادة والاستثمار والنفط ثلاثية مترابطة، يكتبها جنرال سابق بتوقيع مستثمر حالي.
يبقى السؤال مفتوحاً:
هل هذه ولادة "العراق الجديد" المستقل، أم هي مرحلة جديدة من الهيمنة الأميركية، هذه المرة بقبضة اقتصادية بدلاً من دباباتها؟