من لوكربي إلى نطنز: السلم المفروض كأداة غربية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط
📄مقدمة: بين التاريخ والسياسة
تشكل قضية لوكربي (1988–2003) مع ليبيا، ومن ثم ملف البرنامج النووي الإيراني (2003–2025)، نموذجين متقابلين في الزمان لكن متشابهين في المنهج، يعكسان كيف يُستخدم السلم كوسيلة قسرية لا كشراكة تفاوضية.
أولاً: ليبيا والغرب – نموذج لوكربي والتفكيك بالتراضي القسري
1⃣. خلفية قضية لوكربي:
👋في 21 ديسمبر 1988، انفجرت طائرة “بان آم 103” فوق مدينة لوكربي في اسكتلندا، ما أسفر عن مقتل 270 شخصًا. وُجهت أصابع الاتهام إلى ضباط في الاستخبارات الليبية. وبدأت من حينها عملية الضغط السياسي والدبلوماسي على ليبيا.
2⃣. سيناريو السلم المفروض:
👌العقوبات الدولية: فرض مجلس الأمن عقوبات شاملة على ليبيا عام 1992 (القرار 748)، ثم تمّ تشديدها لاحقاً (القرار 883 – 1993). العزلة الجيوسياسية: طُردت ليبيا من المجتمع الدولي، وتمّ تجميد أصولها المالية. شروط التسوية: الغرب اشترط على القذافي: ١- تسليم المشتبه بهم لمحكمة دولية خاصة. ٢- دفع تعويضات مالية لأسر الضحايا. ٣- تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل (2003)، بما في ذلك برنامج نووي ناشئ.
3⃣. النتائج:
👋عودة ليبيا إلى “الشرعية الدولية” عام 2003. تخلي القذافي عن أدوات الردع الاستراتيجي (خصوصاً السلاح الكيماوي والنشاط النووي). إسقاط القذافي لاحقًا في 2011 خلال موجة “الربيع العربي”، بدعم من الناتو، رغم التزامه الكامل باتفاقات السلام.
يقول الباحث Benjamin Rhodes (في مجلة Foreign Affairs, 2012): “كانت ليبيا مثالًا نموذجيًا لنزع السلاح النووي بالإكراه، تَبِعَهُ تخلٍّ عن النظام.”
ثانياً: إيران 2025 – النووي كساحة صراع على “الاستقلال الاستراتيجي”
1⃣. مفاوضات طويلة ومتعثرة:
👋بدأت المفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (P5+1) منذ 2003. تمّ التوصل إلى الاتفاق النووي (JCPOA) في 2015. انسحبت الولايات المتحدة منه في 2018 (عهد ترامب)، وفرضت عقوبات قصوى. فشلت محاولات إعادة إحيائه بعد 2021 رغم الوساطات الأوروبية.
2⃣. التصعيد الجديد – 2025:
👌بعد سنوات من الاستنزاف، وتزامناً مع الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل (بدءاً من June 2025)، قصفت الولايات المتحدة مواقع إيرانية مرتبطة بالبرنامج النووي، أبرزها في نطنز و اصفهان وفردو. هذه الضربات جاءت وسط تقارير غربية (مثل تقرير IAEA - مايو 2025) تتحدث عن “تقدم غير معلن” في تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%.
3⃣. الهدف الغربي: “السلم مقابل التفكيك”
👋تُعيد واشنطن استخدام نفس المقاربة الليبية: الضغط العسكري المباشر (عبر الضربات)، تزامناً مع دعوة “لحل دبلوماسي”. وزير الخارجية الأمريكي (Anthony Blinken) صرّح في 20 يونيو 2025: “يجب على إيران أن تختار: التهدئة وإعادة الاندماج في المجتمع الدولي، أو المزيد من العزلة والقوة.” كما أوردت The Economist (عدد 15 يونيو 2025): “تُحاكي هذه الاستراتيجية النموذج الليبي، لكن طهران تتذكّر جيدًا كيف انتهى الأمر بالقذافي.”
ثالثاً: أثر هذا المسار على السلام الإقليمي
1⃣. على الحرب الإيرانية-الإسرائيلية:
١- الضربات الأمريكية أعطت إسرائيل غطاء استراتيجياً لتكثيف عملياتها. ٢- إيران ردّت بتوسيع مدى الحرب إلى جبهات لبنان، العراق، والبحر الأحمر. ٣- فرص “وقف إطلاق النار” تضاءلت بسبب ما تعتبره طهران “عدواناً مزدوجاً” من تل أبيب وواشنطن.
2⃣. على المفاوضات:
👌تقول صحيفة Haaretz (21 يونيو 2025): “مع تعرّض المنشآت النووية لهجمات، ترى إيران أن لا جدوى من التفاوض تحت النيران." إيران أعلنت رسمياً تعليق أي اتصالات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ورفعت نسبة التخصيب إلى 84% لأغراض “ردعية”.
3⃣. على مستقبل المنطقة:
👋السلم المفروض يولّد ساحات مقاومة لا تسويات:
١-تصاعد دعم المحور الإيراني في اليمن ولبنان و العراق. ٢- تصعيد غير مسبوق في الخليج بين إيران والسعودية، رغم الانفراجة السابقة (اتفاق بكين 2023). ٣- عودة الحديث عن “سباق نووي” في الشرق الأوسط، مع إشارات سعودية إلى احتمال بدء تخصيب محلي.
خاتمة: من الردع إلى الفوضى المُعمّمة
🔹إن سياسة “السلم المفروض” التي نجحت مرحلياً في ليبيا، أدّت في النهاية إلى فراغ استراتيجي استغلته قوى متطرفة، وانتهت بإسقاط النظام وانهيار الدولة. في حالة إيران، ومع اختلاف العمق الاستراتيجي والقدرات الدفاعية، فإن محاولة فرض السلم عبر القصف والعقوبات لا تُبشّر بحل، بل تؤسس لدوامة عنف جديدة تعيد صياغة الشرق الأوسط من خلال النار لا التفاوض. كما قال المرشد الأعلى الإيراني في خطابه بتاريخ 18 يونيو 2025: