السلم المفروض: من لبنان إلى إيران… استراتيجية واحدة بوجوه مختلفة
مقدمة: عندما يصبح وقف إطلاق النار أداة لفرض الاستسلام
منذ حرب 2006، شكّل جنوب لبنان مسرحًا دائمًا لاختبار معادلات الردع بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل. ومع تكرار الحروب والاعتداءات، بدا أن القرار الأممي 1701، الصادر في أغسطس 2006، وضع إطارًا هشًّا لهدنة مشروطة، لكنها لم تُطبّق فعليًا من الجانب الإسرائيلي، الذي حوّلها إلى وسيلة ضغط تدريجية تهدف إلى تفكيك قوة المقاومة.
اليوم، تتكرر المعادلة نفسها مع إيران: وقف إطلاق نار هشّ بعد أسابيع من التصعيد العسكري بين طهران وتل أبيب، وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه، ولكن على مساحة إقليمية أوسع، مع دخول الساحة الإيرانية في قلب المواجهة المباشرة.
أولاً: حزب الله وإيران… علاقة عقائدية واستراتيجية عابرة للحدود
منذ تأسيسه، يُعتبر حزب الله امتدادًا لمحور المقاومة الذي تقوده إيران، ليس فقط من زاوية التمويل والدعم العسكري، بل من خلال شراكة استراتيجية تتقاطع فيها العقيدة الدينية مع الحسابات الجيوسياسية. حرب الإسناد (2023-2025) بين إسرائيل ومحور المقاومة، التي اشتعلت بعد تصاعد التوترات في الضفة الغربية وسوريا ولبنان، أكدت هذه الحقيقة مجددًا، خصوصًا عندما حاولت إسرائيل تنفيذ اجتياح بري للجنوب اللبناني، فشلت فيه رغم استخدام كل أدوات القوة.
قرى مثل الخيام وسهل مرجعيون تحوّلت إلى خطوط نار مشتعلة، فيما طالت الغارات الإسرائيلية العنيفة الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق مدنية أخرى، محاولة خنق المقاومة عسكريًا واقتصاديًا.
ثانيًا: القرار 1701… هدنة دولية مُفرغة من مضمونها
رغم قبول حزب الله بقرار مجلس الأمن 1701 حرصًا على حماية المدنيين واحتواء التصعيد، إلا أن إسرائيل لم تلتزم عمليًا ببنوده. سجلّت من 2006 حتى اليوم أكثر من 18,000 خرق للسيادة اللبنانية، تنوّعت بين:
• طلعات جوية متواصلة فوق الأجواء اللبنانية.
• اغتيالات دقيقة طالت قادة من الصف الأول ( أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ) والثاني والثالث في المقاومة.
• عمليات إلكترونية وتجسسية لتعطيل البنية الأمنية للمقاومة.
• ما عُرف بـ”عملية البيجر”، حيث أعاقة جسديا إسرائيل أكثر من 3,000 عنصر من حزب الله وعائلاتهم ، و فرضت عقوبات اقتصادية على جمهور و بيئة حزب الله بالتنسيق مع واشنطن، مع تعطيل المساعدات الدولية لإعادة إعمار الجنوب، وكل ذلك بهدف فرض معادلة “نزع سلاح المقاومة” بذريعة تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، في وقت لا يملك فيه الجيش اللبناني الحد الأدنى من القدرات الدفاعية، خصوصًا في مجال التصدي للطيران الإسرائيلي أو مواجهة أي اعتداء بري محتمل.
ثالثًا: من بيروت إلى طهران… وقف إطلاق نار بطعم الابتزاز
تمامًا كما حصل في لبنان، أُجبر الطرف الإيراني على القبول بوقف إطلاق نار بعد أسابيع من القصف الإسرائيلي المكثف للمناطق السكنية و لمنشآت العسكرية داخل إيران، بالتوازي مع هجمات سيبرانية وعمليات اغتيال استهدفت كوادر عسكرية وعلمية إيرانية من الصفوف الأمامية .
في هذا السياق، برز الرد الإيراني النوعي عبر قصف تل أبيب و مناطق اخرى في اسرائيل و لا ننسى المؤسسات الحكومية و العسكرية و مطار بن غوريون و اخيرا قصف القاعدة الأمريكية 'عديد' في قطر، وهو ما أعاد خلط الأوراق وأجبر إدارة ترامب على التراجع التكتيكي وفتح قنوات تفاوض، لتصل الأمور إلى اتفاق وقف اعتداءات متبادل، رغم هشاشته.
لكن المفارقة أن من أشعل الحرب هي إسرائيل، سواء في لبنان أو إيران، بينما تُفرض لاحقًا تسويات تُصوّر كإنجازات دبلوماسية، لكنها في الحقيقة أدوات لضبط الصراع مؤقتًا لا أكثر، ضمن استراتيجية “السلم المفروض”، حيث تُستخدم الضغوط الاقتصادية والعسكرية والإعلامية لدفع الأطراف المستهدفة إلى قبول شروط لا تعكس توازن القوى الحقيقي.
رابعًا: مقارنة بين لبنان وإيران… السلم المؤجل والانفجار المُحتمل
حين نُقارن وقف إطلاق النار في لبنان بالاتفاق المؤقت مع إيران، نُدرك أنهما وجهان لعملة واحدة:
• إسرائيل تبدأ التصعيد، ثم تضغط دوليًا لفرض هدنة تُخفي استمرار الخروقات والاغتيالات.
• الولايات المتحدة تؤدي دور الوسيط، لكنها تُغذّي الحرب بأدوات غير مباشرة.
• المقاومة، سواء في لبنان أو إيران، تُمثّل حجر عثرة أمام مشروع تصفية المعسكر المعارض للهيمنة الغربية، ولذلك تُستهدف أمنيًا واقتصاديًا بشكل ممنهج.
ومع أن الساحة اللبنانية أظهرت فشل إسرائيل في تحقيق نزع سلاح المقاومة، إلا أن الحرب النفسية والاقتصادية مستمرة، وهو ما ينذر بتكرار السيناريو الإيراني على المنوال نفسه، خاصة أن إيران ترفض الاستسلام ولكن تدرك أن الاستنزاف الطويل قد يضعف أوراقها، كما حدث مع حلفائها في لبنان والعراق واليمن.
خامسًا: هل تنجح هذه الاستراتيجية مع العالم العربي والإسلامي؟
👋في المدى القريب، تُحقق “السلم المفروض” بعض المكاسب للغرب وإسرائيل:
لكن في العمق، تُكرّس هذه السياسة مزيدًا من الانقسام، وتُغذي بيئة المقاومة كخيار دفاعي، لأنها تكشف زيف الحديث عن السلام مقابل التهديد المستمر بالقوة.
العالم العربي والإسلامي، تاريخيًا، لم يُذعن طويلاً لهذا النوع من الابتزاز، وإن قبلت بعض الأنظمة بالتسويات، تبقى الشعوب وقوى المقاومة في موقع الاستعداد لتفجير المعادلة كلما سنحت الظروف، كما حصل في لبنان، وكما يُحتمل أن يتكرر في إيران.
خاتمة: السلم المفروض… مشروع هشّ يؤجل الانفجار ولا يمنعه
سواء في لبنان أو إيران، ما نشهده اليوم ليس سلامًا حقيقيًا، بل معادلة هشّة من الردع والابتزاز، تحت مظلة قرارات دولية غير مُطبّقة فعليًا من الطرف المعتدي.
إسرائيل وأمريكا تستخدمان ذات الأدوات: القوة العسكرية، الحرب الاقتصادية، الاغتيالات، العقوبات، لإجبار الخصوم على الخضوع. لكن تجارب العقود الماضية أثبتت أن هذه الاستراتيجية لا تُنتج إلا هدَنات قصيرة، بينما تظل جذور الصراع قائمة، تنتظر شرارة جديدة للانفجار.