لبنان أولاً… دروس للواقفين في خنادق محور المقاومة الأخيرة

الملخص
تتناول هذه الدراسة واقع لبنان في ضوء الأحداث الإقليمية الأخيرة، مركّزة على تداعيات القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، وخطورة تفكيك معادلة الردع التي شكّلها حزب الله في وجه الاعتداءات الإسرائيلية والمخاطر الأمنية من الجانب السوري. كما تحلل الورقة تأثير أحداث السويداء الأخيرة على المعادلة اللبنانية، وتبرز كيف أصبح لبنان ساحة مفتوحة أمام التدخلات الخارجية في ظل غياب موقف سيادي موحد.
مقدمة
“لبنان أولاً” شعار تحوّل من مقولة سياسية إلى جرس إنذار حقيقي. فمنذ صدور القرار 1701 عام 2006، عاش لبنان تجربة قاسية أثبتت أن التعويل على المجتمع الدولي وحده لحماية السيادة الوطنية وهم خطير. فبدلاً من إحلال السلام، فتحت القرارات الدولية الباب أمام استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، فيما تعرض الداخل اللبناني للانقسام والابتزاز السياسي والمالي.
أولاً: الجنوب… ساحة مفتوحة بلا حماية
رغم التزام حزب الله بمقتضيات القرار 1701 وانسحابه شمال الليطاني، سجّلت تقارير اليونيفيل أكثر من 13,000 خرق إسرائيلي حتى نهاية 2023، معظمها غارات جوية واختراقات برية متكررة. وفي حرب 2023–2024، شنت إسرائيل عمليات واسعة النطاق استهدفت الجنوب، خلّفت أكثر من 4,000 قتيل و17,000 جريح، قبل التوصل إلى وقف إطلاق نار هش في نوفمبر 2024. إلا أن إسرائيل واصلت بعد الهدنة:
• التحليق الجوي شبه اليومي فوق الجنوب،
• إطلاق الصواريخ بشكل متقطع،
• تنفيذ اغتيالات ممنهجة لعناصر المقاومة داخل الأراضي اللبنانية باستخدام الطائرات المسيّرة.
وقد أدّت هذه الانتهاكات إلى سقوط 231 قتيلاً و528 جريحاً بعد وقف إطلاق النار، مع نزوح أكثر من 1.4 مليون مدني.
ثانياً: الإعمار… ورقة ضغط سياسي
رغم الوعود الخليجية والدولية بتقديم مساعدات بقيمة 3.2 مليار دولار، لم يُباشر فعلياً بإعادة إعمار القرى الجنوبية. بعض العائلات لم تتلق تعويضاتها إلا بعد التوقيع على تعهدات تدين حزب الله، في ابتزاز واضح يستغل مأساة المدنيين للضغط على المقاومة.
ثالثاً: الاغتيالات كأداة استراتيجية
الاغتيالات في لبنان لم تتوقف، رغم التزام حزب الله بشروط القرار 1701. اغتيال صالح العاروري في بيروت مطلع 2024 كان رسالة إسرائيلية واضحة، تبعتها عمليات مشابهة في الجنوب والضاحية والبقاع. في كل مرة، اكتفى الجيش اللبناني بالإدانة، وسط عجز كامل عن الرد أو اتخاذ إجراءات وقائية.
رابعاً: السويداء… خاصرة لبنان المفتوحة
في 16 يوليو 2025، شنّت الفرقة الرابعة التابعة للنظام السوري هجوماً على معاقل الحراك الدرزي في السويداء، ما أدى إلى مقتل العشرات واعتقال المئات. هذه الحملة لم تكن داخلية محضة، بل جاءت في سياق توسع النفوذ السوري باتجاه الحدود اللبنانية، وسط مؤشرات عن تحركات ميدانية قرب الهرمل وعكار، ونشاط لخلايا موالية للنظام في طرابلس.
لبنان بات محاصراً من الجنوب بإسرائيل، ومن الشرق والشمال بمحاولات التسلل السوري، فيما الموقف الرسمي يتسم بالحياد السلبي.
الخاتمة: السيادة لا تُستعطى… بل تُنتزع
الانكفاء ليس خياراً. تجربة لبنان مع القرار 1701 أثبتت أن نزع سلاح المقاومة لم ولن يجلب السلام، بل يفتح الأبواب أمام الاحتلال المباشر أو الهيمنة غير المباشرة. ما جرى في السويداء إنذار للبنان: الفراغ السيادي يستدعي الاحتلال، والضعف يغري العدوان. “لبنان أولاً” يجب أن يُترجم إلى موقف سيادي حقيقي، لا إلى سياسة تجريد المقاومة من سلاحها تحت ذرائع الحياد أو الضغوط الدولية.