لماذا يجب أن يحذر العراق من معادلات تعيد تشكيل التوازن العسكري لصالح الولايات المتحدة؟

العراق عند مفترق طرق… الحشد الشعبي نموذجاً
مقدمة تدفع الآن باتجاه تقليص دور الحشد الشعبي، أو تفكيكه بالكامل، تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”. لكن التجربة اللبنانية — التي أدت إلى فراغ أمني وتدخلات خارجية مباشرة — لا تبشر العراق إلا بالمزيد من الفوضى والانقسام إذا ما سار على المسار ذاته.
أولاً: هل حل الحشد الشعبي مغامرة خطرة؟
الحشد الشعبي لم يكن مجرد تشكيل مسلح ظهر في لحظة طارئة. منذ تأسيسه في 2014، وقف في خط الدفاع الأول أمام زحف تنظيم داعش، ومنع سقوط بغداد، ولعب دوراً رئيسياً في استعادة الموصل وتطهير المناطق الحدودية.
اليوم، يواجه العراق تهديدات أمنية متصاعدة:
• خلايا داعش النشطة في البادية السورية وعلى طول الحدود مع الأنبار.
• عودة جماعات مسلحة من بقايا التنظيم، بعضها تسلل إلى المشهد السياسي العراقي.
• الضربات الجوية التركية المتكررة في إقليم كردستان، بذرائع محاربة حزب العمال الكردستاني.
• الهجمات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع للحشد والبنى التحتية العسكرية العراقية، بما في ذلك تدمير رادارات ومنظومات دفاعية تابعة للجيش العراقي (الأحداث المؤكدة بين 2019–2024).
في هذا السياق، حلّ الحشد الشعبي دون إيجاد بديل وطني موثوق قد يفتح الباب أمام فراغ أمني شبيه بما عاشه لبنان بعد تهميش المقاومة في الجنوب، أو ما جرى في سوريا بعد تفكيك الميليشيات المحلية سنة 2012، حيث تمدد داعش في مناطق واسعة.
ثانياً: قرارات الاستسلام لا تصنع السيادة
التاريخ الحديث في المنطقة يقدم أمثلة صارخة:
• في لبنان، تحول الجيش إلى قوة محدودة الفعل، يراقب الغارات الإسرائيلية ويكتفي بالاستنكار.
• في سوريا، تفكيك الميليشيات المحلية سهّل سيطرة داعش على نحو 40% من الأرض.
• في إيران، الضغط على الحشد الشعبي العراقي يهدف لعزل العراق عن محور المقاومة وإضعاف قدرته على صدّ الاختراق الأميركي والإسرائيلي.
أما في العراق، فإن دفع الحكومة لتقييد الحشد — كما يدعو رئيس الوزراء محمد شياع السوداني منذ يوليو 2025 — يتم في سياق تفاهمات مع واشنطن، تعكس خضوع القرار الأمني العراقي لضغوط المانحين الغربيين (الشرق الأوسط، 15 تموز 2025).
ثالثاً: لماذا لا يحتمل العراق تكرار النموذج اللبناني؟
العراق ليس لبنان. التوازن الطائفي فيه أكثر هشاشة، والعقد الاجتماعي أضعف. فرض جيش مركزي “محايد” بوصاية دولية سيعني عملياً إضعاف قوى الميدان الفاعلة، وتفجير صراعات داخلية:
• الحشد الشعبي ليس فصيلاً هامشياً، بل يضم أكثر من 145,000 مقاتل من مختلف أطياف المجتمع العراقي.
• أي محاولة لتفكيكه قد تعني إعادة إنتاج تجربة الحرب الأهلية، أو تفكيك العراق نفسه.
• هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي نزع سلاح الحشد إلى إحياء بؤر الإرهاب في المناطق التي حررها، خاصة في ديالى وصلاح الدين والأنبار.
الخاتمة: المقاومة ضمان السيادة لا تهديد لها
الدعوات لحلّ الحشد الشعبي تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة” تتجاهل حقيقة أن الدولة، في تركيبتها الحالية، لا تملك القدرة على ملء الفراغ الأمني، ولا السيطرة على كامل حدودها. التجربة اللبنانية والسورية حاضرة أمام أعين العراقيين. إذا أصر العراق على السير في هذا الطريق — إرضاءً لواشنطن أو طمعاً في مكاسب سياسية قصيرة الأجل — فقد يجد نفسه في مواجهة سيناريو لبناني جديد: جيش عاجز، تمدد إرهابي، وتدخلات خارجية تُحكم قبضتها على القرار الوطني.
الارتباط بمحور المقاومة ليس تبعية لإيران كما يروّج البعض، بل هو الخيار الواقعي الوحيد لمواجهة مشروع إعادة تشكيل المنطقة على أسس التقسيم والتفتيت.
خنادق المقاومة، في لبنان كما في العراق، لم تكن يوماً مشروع حرب عبثية، بل بقايا الكرامة الوطنية ومعركة البقاء أمام مشاريع الاحتلال والوصاية.