ضربة طهران أم إرهاب دولة؟ اغتيال إسماعيل هنية والحرب على محور المقاومة

مرّ عام على إغتيال إسرائيل لإسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عبر تفجير استُهدف فيه داخل مجمع تابع للحرس الثوري الإيراني في طهران في 31 تموز/يوليو 2024، أثناء زيارته لحضور حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد مسعود يزاكشيان لم يكن ذلك مجرد اغتيال؛ بل كان استفزازًا متعمّدًا لإيران، وضربة للحركة الفلسطينية، وإعلانًا بأن ذراع إسرائيل العسكرية تتجاوز القوانين والحدود والدبلوماسية. أما صمت الغرب وتواطؤه فكانا تأكيدًا صارخًا أن “النظام القائم على القواعد” هو شعار انتقائي، لا مبدأ عالمي.
هنية: قائد مقاومة لا “إرهابي”
وُلد إسماعيل هنية في مخيم الشاطئ للاجئين في غزة، وكان تجسيدًا حقيقيًا لمعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال. لم يكن مجرد قيادي عسكري، بل سياسي حاز على الشرعية الانتخابية في عام 2006، وقاد حماس في مسار يجمع بين المقاومة المسلحة والدبلوماسية. سعى مرارًا لتوحيد الصف الفلسطيني وأبرم عدة اتفاقيات هدنة مع إسرائيل رغم استمرار القصف والحصار. اغتياله لم يكن هدفه منع هجوم وشيك، بل كان محاولة لقطع الرأس السياسي لحماس وتدمير قنوات التفاوض مع الوسطاء الإقليميين.
طهران ومحور المقاومة
زيارة هنية لطهران ولقاؤه بالمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي وقادة فيلق القدس لم تكن سرّية ولا خارجة عن السياق. بل كانت جزءًا من تنسيق معلن بين أطراف محور المقاومة في ظل عدوان متواصل على غزة. في منطقة تُمطَر بالقنابل الإسرائيلية والأمريكية، يصبح التنسيق بين حركات المقاومة مسألة بقاء لا خيارًا أيديولوجيًا.
ضرب طهران لم يهدف فقط إلى قتل هنية، بل لإرسال رسالة إلى إيران: مظلتكم الدفاعية يمكن خرقها.
الجريمة القانونية المسكوت عنها
اغتيال هنية لم يكن فقط غير شرعي؛ بل كان جريمة مكتملة الأركان:
1. انتهاك السيادة الإيرانية: لا توجد حالة حرب بين إيران وإسرائيل، ومع ذلك خرقت إسرائيل أجواء إيران ونفّذت عملية اغتيال على أراضيها.
2 . قتل خارج نطاق القضاء: هنية لم يكن في ساحة قتال ولم يكن هدفًا مشروعًا وفقًا لقانون حقوق الإنسان الدولي.
3- خرق ميثاق الأمم المتحدة (المادة 2/4): استخدام القوة ضد سلامة أراضي دولة عضو في الأمم المتحدة.
4- جريمة حرب محتملة: حتى في حال اعتبارها جزءًا من نزاع مسلح، فإن استخدام هذا النوع من السلاح في بيئة مدنية مكتظة كطهران يخرق مبدأ التناسب والتمييز.
ورغم كل ذلك، لم يواجه الكيان الإسرائيلي أي مساءلة قانونية أو دبلوماسية، ما يعكس ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.
الحرب المسيّرة: سلاح الجبناء؟
هناك الكثير من الفرضيات عن طريقة اغتيال الرئيس اسماعيل هنية . و لكن الارجح هو ان الطائرة المسيّرة التي استُخدمت في اغتيال هنية هي من (النوع الانتحاري أو “لويترينغ مونشن”) تمثل التطور الأحدث في منظومة الاغتيالات عن بُعد. هذه التقنية تُستخدم لتقليل الأثر الإعلامي، وتمنح إسرائيل ميزة “القتل من دون مواجهة”. لكنها ليست حربًا تقليدية بل قتل سياسي بلا ساحة معركة، بلا إعلان، بلا مساءلة. إنها سياسة اغتيالات تُنفّذ من الجو في عواصم بعيدة، وبدعم استخباراتي عالي المستوى، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي.
وقبلها بيوم واحد ، اغتالت إسرائيل القائد العسكري في حزب الله محسن شكر في بيروت بالطريقة ذاتها، ما أكد أن ما حدث في طهران لم يكن استثناءً بل استراتيجية جديدة.
ازدواجية المعايير تجاه حماس
الغرب يصور حماس على أنها جماعة خارجة عن الشرعية، بينما يغفل حقيقة أنها فازت بانتخابات شرعية في 2006، وتمثل أكثر من مليوني فلسطيني في غزة. حماس لم ترفض حل الدولتين، بل إسرائيل هي من ترفض، من خلال الاستيطان، والحصار، ورفض التفاوض مع أي طرف لا يعترف بها كـ”دولة يهودية”.
اغتيال هنية جاء في لحظة كانت تُجرى فيها مفاوضات مع وساطة قطرية ومصرية حول تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار. بقتل رجل التفاوض الأساسي، أرسلت إسرائيل رسالة واضحة: لا مجال للدبلوماسية. والمفارقة أن من دفع الثمن كانوا الأسرى الإسرائيليين أنفسهم، الذين كان بالإمكان تحريرهم عبر الصفقة التي توقفت تمامًا بعد الاغتيال.
إيران: مستهدفة لرفضها الهيمنة لا لسلوك عدائي
إيران ليست دولة خارجة عن القانون كما يصورها الإعلام الغربي، بل هي دولة ترفض الهيمنة الغربية والإسرائيلية على المنطقة. دعمها للمقاومة ليس خيارًا مذهبيًا بل جيوسياسيًا. إسرائيل أرادت كسر هيبة طهران عبر الاغتيال، لكنها فجّرت نقاشًا داخل إيران حول الثغرات الأمنية، وزادت من الدعم الشعبي للمقاومة.
لم نسمع أصواتًا غربية تُندّد بانتهاك سيادة إيران كما تفعل عند أي خرق مشابه في أوروبا أو الخليج.
إنها الازدواجية ذاتها: حين تُنتهك سيادة دولة “متمرّدة” لا يُسمع سوى الصمت.