منارا: حلم غربي وخطر وطني

في 31 يوليو 2025، نشر وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف مقالاً في صحيفة الغارديان البريطانية يقترح فيه إنشاء “شبكة الشرق الأوسط للأبحاث والتطوير الذري” منارا (أو "المنارة"، كما يحاول ظريف أن ينسجها لتبدو كلمة عربية ذات دلالة رمزية)، وهي منظمة إقليمية يُفترض أن تعزز التعاون النووي السلمي وتمنع اندلاع الحروب في المنطقة. ظاهريًا، قد تبدو لغته معتدلة وديبلوماسية، ترضي الأوروبيين والدوائر الغربية. لكن من يفهم حقيقة الميدان، وحقيقة العداء الغربي الممتد منذ عقود لمحاصرة الجمهورية الإسلامية، يعلم أن اقتراح ظريف هذا ليس حماية لإيران، بل استسلام مموه بعبارات ناعمة.
عدسة غربية لوطن ثوري
ظريف يصرّ على تقديم البرنامج النووي الإيراني بلغة مريحة للغرب، تختزل حقًا سياديًا أصيلًا إلى مجرد مسألة تقنية تحتاج إلى “الطمأنة”. اقتراحه لبناء إطار إقليمي مبني على “التحقق المتبادل” والثقة المتبادلة، يعكس انفصاله عن الواقع السياسي والعسكري في المنطقة. “إسرائيل” والولايات المتحدة، ومعهم حلفاؤهم الخليجيون، لا يسعون إلى توازن ولا تسوية عادلة، بل إلى تفوق دائم وهيمنة شاملة. وأي آلية من هذا النوع ستتحول في الواقع إلى أداة للتجسس على قدرات إيران، وربما لتقويضها.
ظريف، بهذا الطرح، يتماشى مع الرؤية الليبرالية الغربية للعالم، تلك التي تُدرس في جامعات نيويورك وواشنطن، لا في ساحات الجنوب اللبناني ولا على جبهات المقاومة في اليمن والعراق. إنه يتحدث بلسان الديبلوماسي المُهذّب، لا بلغة الثورة والصمود والردع.
إرث ظريف الديبلوماسي: تنازلات لا إنجازات
سجلّ ظريف معروف. هو مهندس الاتفاق النووي الفاشل لعام 2015، الذي جمّد قدرات إيران وفتح منشآتها أمام أجهزة الاستخبارات الدولية تحت ستار التفتيش. لكن حين انسحب ترامب من الاتفاق، ماذا فعل ظريف؟ لم يطالب بالرد. لم يعزز موقف إيران. بل جال العواصم يطالب بعودة الغرب إلى الاتفاق، وكأن الكرامة تُباع في المؤتمرات الصحفية.
والأدهى من ذلك، أن ظريف، في مقاله الأخير، تجاهل عمداً سنوات من الحرب المركّبة التي شُنّت على إيران، سواء عبر الاغتيالات أو التخريب السيبراني أو العقوبات الخانقة. تجاهل مقتل علمائنا النوويين الواحد تلو الآخر، من فخري زاده إلى قبله وبعده، وكل ذلك بتواطؤ فاضح من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي سلّمت مفاتيح منشآتنا للعدو. هل هذا هو “التحقق المتبادل” الذي يريد ظريف أن نبني عليه مستقبلنا النووي؟ أم أن التعاون في ذهنه يعني التعرّي أمام الموساد؟
واليوم، بعد كل هذا الحصار والعقوبات والاغتيالات، يعود ظريف ليعرض علينا مشروع “منارا”، أي تنازلات جديدة تحت غطاء “الشفافية” و”التعاون الإقليمي”. بدل أن يقترح الردع الاستراتيجي، أو الاندماج العسكري مع محور المقاومة، يطرح علينا هيئة تقنية متعددة الأطراف تخضع فيها قدرات إيران لمراقبة خصومها.
هل ستقبل الدول الخليجية؟ قطعًا لا
اقتراح ظريف يُظهر جهلاً بالتحالفات القائمة في الخليج، أو تغافلاً متعمداً عنها. السعودية والإمارات والبحرين هم حلفاء عسكريون واستخباراتيون للولايات المتحدة و”إسرائيل”. هم لا يسعون إلى شراكة نووية مع إيران، بل إلى محاصرتها وعزلها.
الاعتقاد بأنهم سيشاركون في “منارا” على قدم المساواة مع إيران هو إما سذاجة أو خديعة. وإذا شُرّع هذا الإطار، فسيُستخدم حتمًا لتحجيم البرنامج النووي الإيراني وتقييده بغطاء قانوني إقليمي.
هل يدافع ظريف عن إيران؟ أم عن النظام الذي يشعر بالحرج منه؟
لطالما حاول ظريف تقديم نفسه كممثل لـ”الشعب الإيراني” في وجه “السلطة”. وفي تسريب صوتي شهير عام 2021، انتقد قاسم سليماني لأنه لم يعط الأولوية للمسار الديبلوماسي. قال ظريف إنه اضطر لتكييف ديبلوماسيته مع واقع الميدان. هذه شهادة واضحة: هو لا يؤمن بخيار المقاومة، بل يراه عبئاً على مفاوضاته.
في الحقيقة، ظريف يسعى دائمًا لنيل إعجاب الإعلام الغربي، لا لحماية المشروع الثوري. إنه لا يمثل فكر الإمام الخميني ولا نهج السيد القائد الخامنئي، بل يمثل تيار جنيف وداڤوس والجامعة الأميركية.
ما الذي يجب فعله بدلًا من “منارا”؟
إيران لا تحتاج إلى “منارا”. إيران تحتاج إلى:
• تعميق تحالفاتها مع القوى المعادية للهيمنة الغربية: كروسيا والصين وفنزويلا و مجموعة Bricks .
• الاندماج الكامل في محور المقاومة، دعمًا وتخطيطًا وتنسيقًا.
• تعزيز قدرات الردع الاستراتيجي: من تطوير الصواريخ إلى الاستمرار في البحث النووي ضمن الإطار القانوني.
• رفض الاختراق الغربي بكل أشكاله، من المنظمات التقنية إلى مؤتمرات “الشفافية”.
ما نحتاجه ليس خطابًا يُرضي الغرب، بل قيادة تؤمن بالاستقلال الكامل والسيادة المطلقة**.