تعلم لغة التوازن: جولة علي لاريجاني الإقليمية إلى بغداد وبيروت
أولاً: لمحة عن الجولة الإقليمية
في منتصف آب/أغسطس 2025، بدأ علي لاريجاني، الأمين العام الجديد للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أول جولة خارجية له منذ توليه المنصب، شملت العراق ولبنان. جاءت هذه الجولة الثنائية في ظل تصاعد التوتر الإسرائيلي–الإيراني، وتنامي الجدل في لبنان حول سلاح حزب الله، وإعادة تموضع المشهد الأمني في العراق. تكشف هذه الزيارات عن استراتيجية إيرانية متطورة تهدف إلى ترسيخ النفوذ عبر القنوات الرسمية للدولة، مع تأكيد علني على احترام السيادة الوطنية.
ثانياً: زيارة العراق – ترسيخ الأمن والشراكات
الهدف في بغداد (11 آب)، وقّع لاريجاني مذكرة تفاهم أمنية مع القادة العراقيين لتعزيز التنسيق عبر الحدود وتقوية القدرات الدفاعية المشتركة.
ردود الفعل الرسمية أكد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني نية العراق “تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية” في إطار سياسة خارجية متوازنة، مندداً بالاعتداءات الإسرائيلية، وداعماً للانخراط الدبلوماسي بين طهران وواشنطن.
النتيجة السياسية تضع هذه الاتفاقية العراق في موقع شريك أمني إقليمي، وفي الوقت نفسه كفاعل مستقل قادر على التعامل مع إيران دون إقصاء الشركاء العرب أو الغربيين.
الأهمية تأتي الزيارة وسط نقاشات حساسة حول هيئة الحشد الشعبي، وتؤكد تفضيل بغداد لسياسة التوازن المتعدد الأطراف. أما بالنسبة لإيران، فهي تعزز الجبهة الغربية الاستراتيجية عبر تعاون رسمي على مستوى الدولة، مما يقلل من انطباعات التدخل المباشر.
الأثر على العلاقات تعزز الاتفاقية التنسيق الأمني الإيراني–العراقي، وترسل رسالة إلى واشنطن والرياض بشأن استقلالية القرار العراقي، وتكرس النفوذ الإيراني عبر اتفاقيات رسمية بدلاً من الاعتماد الحصري على شبكات الميليشيات.
ثالثاً: زيارة لبنان – السيادة، التوازن الطائفي، ومسألة المقاومة
الهدف في بيروت (13 آب)، سعى لاريجاني لتجديد التأكيد على دعم إيران لسيادة لبنان، والتصدي للدعوات الغربية والخليجية المدعومة لنزع سلاح حزب الله، وتقديم “المقاومة” كقيمة وطنية جامعة وليست مجرد ميليشيا طائفية.
ردود الفعل الرسمية رفض الرئيس جوزيف عون أي تدخل خارجي، وأعلن أن “لا جماعة مسلحة” يمكن أن تعمل خارج سلطة الدولة، مؤكداً أن العلاقات مع إيران يجب أن تشمل “جميع اللبنانيين” وليس طائفة واحدة.
موقف لاريجاني وخطابه العلني نفى لاريجاني الاتهامات بالتدخل، معتبراً أن خطة نزع السلاح مشروع أمريكي، ومؤكداً استعداد إيران لمساعدة لبنان إذا طلب ذلك. وفي خطاب مباشر في مؤتمر صحفي قال: "أيها الأحبة، من الذي اعتدى عليكم؟ ألم تكن إسرائيل؟ فاحذروا أن تفرض عليکم إسرائيل شيئًا آخر من طريق آخر، فما لم تتمکن إسرائيل من تحقيقه عبر الحرب لا تستخدم طرقًا أخری لفرضه عليکم. لا تخلطوا بين الصديق والعدو. فالمقاومة ثروتكم الوطنية."
هذا الخطاب أعاد تأطير سلاح حزب الله كـ “ثروة وطنية” للدفاع عن البلاد، لا كسلاح فئوي، متحدياً بشكل مباشر الروايات التي تصور الحزب كعائق أمام الوحدة الوطنية.
النتيجة السياسية أبرزت الزيارة حالة شد وجذب دبلوماسية: لبنان أعاد التأكيد على سيادته وأولوية الدولة، فيما وضعت إيران نفسها في موقع المدافع عن حق لبنان في مقاومة العدوان الإسرائيلي. حاول لاريجاني رفع قضية المقاومة من شأن محلي طائفي إلى مسؤولية وطنية مشتركة.
الأهمية • لبنان على مفترق طرق: بين الاعتماد على المساعدات الخارجية ورفض التخلي عن أداة الردع الأساسية ضد إسرائيل.
• الزيارة زادت من تعقيد معادلة التوازن بين تلبية شروط المانحين والحفاظ على الاستقرار الداخلي.
• إقليمياً، استغلت إيران المنبر للضغط المضاد على الغرب، مع تجنب خطاب التدخل المباشر.
الأثر على العلاقات أكدت الزيارة مجدداً على متانة العلاقات الإيرانية–اللبنانية، لكنها غيّرت نبرة الخطاب نحو تواصل رسمي بين الدولتين. بالنسبة لإيران، شكّلت مثالاً على توظيف الدبلوماسية العلنية والرمزية للدفاع عن الحلفاء دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
رابعاً: الخلاصة – التوقيت، الاستراتيجية، والدلالات الجيوسياسية
التوقيت جاءت الجولة بعد أسابيع من تصاعد المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية، وأثناء نقاشات سياسية حساسة في لبنان والعراق، كما تزامنت مع محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل لهجة لاريجاني المتزنة ذات أهمية استراتيجية.
الدلالة الاستراتيجية • تعكس تحول إيران نحو ترسيخ النفوذ عبر اتفاقيات رسمية.
• تتيح للعراق ولبنان تأكيد سيادتهما مع استمرار التعاون مع طهران.
• تبرز دور إيران كضامن للمقاومة، مع تخفيف الاتهامات بالتدخل.