قضية الدكتورة بان زياد: الإعلام والسياسة وفخ “الضحية المثالية”
مقدمة: موت تجاوز تفاصيله
أثار موت الدكتورة بان زياد في البصرة—سواء كان انتحارًا أو جريمة قتل—عاصفة إعلامية اجتاحت العراق والمنطقة. وبينما تستحق الملابسات الغامضة حول وفاتها تحقيقًا جادًا، فإن التركيز الإعلامي المفرط مقارنة بجرائم أخرى—مثل مقتل ثلاثة شبان في أربيل أو اكتشاف المقبرة الجماعية المعروفة بـ”حفرة الجن” قرب الموصل—يثير تساؤلات أعمق: لماذا تحولت هذه القضية إلى هوس وطني؟ ولماذا يحظى بعض الضحايا بقدر أكبر من الاهتمام؟
للإجابة، يجب أن نتجاوز التحيزات السياسية والإعلامية ونفهم نظرية “الضحية المثالية”.
نظرية “الضحية المثالية”: من يستحق التعاطف؟
قدم عالم الجريمة النرويجي نيلس كريستي مفهوم “الضحية المثالية” عام 1986. وفقًا له، فإن المجتمع يتعاطف أكثر مع الضحايا الذين تنطبق عليهم صفات معينة: الضعف، البراءة، الاستقامة الأخلاقية، والانفصال الواضح عن الجاني. هؤلاء الضحايا يسهل التعاطف معهم، ويسهل تسويقهم، ويسهل توظيفهم سياسيًا.
الدكتورة بان زياد تمثل هذا النموذج بشكل شبه مثالي:
• أكاديمية أنثى يُنظر إليها كرمز للفضيلة والبراءة.
• وفاتها وقعت في منطقة موصومة سياسيًا مسبقًا.
• الغموض المحيط بالقضية سمح للإعلام بتصويرها كرمز لفشل ممنهج.
في المقابل، لم يُصوّر الشبان الثلاثة الذين قُتلوا في أربيل كضحايا مثاليين. كانت وفاتهم عنيفة، لكنها افتقرت إلى السرد العاطفي الذي يثير التعاطف العام. وبالمثل، فإن آلاف الضحايا المدفونين في “حفرة الجن”—العديد منهم من المدنيين الشيعة الذين أعدمهم تنظيم داعش—بقوا بلا وجوه ولا أصوات في الخطاب العام. معاناتهم كانت أضخم من أن تُحتوى، وأكثر حساسية سياسيًا، وأبعد عن البساطة العاطفية التي تتطلبها نظرية “الضحية المثالية”.
تضخيم إعلامي: اقتصاد الانتباه في خدمة السرد
وسّعت الباحثة كريستين شووبل-باتيل نظرية كريستي بربطها بما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه” في القانون الدولي والإعلام. وتقول إن الضحايا الضعفاء، المعتمدين، والمشوهين هم الأكثر جذبًا للضوء الإعلامي—خصوصًا عندما يمكن تأنيث قصتهم أو تسييسها أو تضخيمها دراميًا.
قضية بان زياد كانت مثالية لهذا النوع من التضخيم:
• جنسها سمح بسرد مؤنث عن الضعف.
• هويتها الشيعية الجنوبية غذّت تحيزات سياسية قائمة.
• مكانتها الأكاديمية جعلتها مأساوية وقريبة من الجمهور.
أما ضحايا أربيل، فكانوا شبانًا في شجار علني—لا يمثلون صورة الضعف. وضحايا حفرة الجن كانوا أكثر من أن يُحصروا، وأقل تحديدًا، وأكثر حساسية سياسيًا من أن يُصوّروا كـ”مثاليين”.
العدالة والتعاطف الانتقائي
استجابة القضاء البطيئة لقضية بان زياد تتناقض مع سرعة القبض على الجاني في أربيل. ومع ذلك، تجاهل الإعلام القضية الأخيرة. لماذا؟ لأنها تفتقر إلى الوزن الرمزي والعاطفي الذي يمنح الضحية صفة “المثالية”. لم تخدم سردًا أوسع، ولم تثر غضبًا أخلاقيًا، ولم تكن قابلة للتسويق.
هذا التعاطف الانتقائي خطير. فهو يشوّه الإدراك العام، ويسيّس الحزن، ويدفن الحقيقة تحت طبقات من السرد المريح.
حفرة الجن: جريمة واقعية أكثر من أن تكون مثالية
تقع حفرة الجن على بعد 20 كم جنوب الموصل، وتُعد من أكبر المقابر الجماعية في العراق. أكثر من 4,000 جثة—مدنية وعسكرية—تم رميها هناك من قبل داعش بين عامي 2014 و2017. ومع ذلك، بقي هذا الرعب في طي النسيان. لماذا؟ لأن الضحايا ليسوا “مثاليين”. عددهم كبير، وتعقيدهم شديد، وحساسيتهم السياسية عالية.
صمتهم ليس صدفة. بل هو نتاج نظام يكافئ البساطة العاطفية ويعاقب الحقائق المزعجة.
خاتمة: إعادة التفكير في مفهوم الضحية
وفاة الدكتورة بان زياد تستحق العدالة. لكن الطريقة التي تم بها تضخيم قضيتها—بينما دُفنت قضايا أخرى—تكشف نمطًا مقلقًا. الإعلام، والجمهور، وحتى المؤسسات القانونية، تنجذب نحو الضحايا الذين يناسبون قالبًا معينًا. أما من لا يناسبون، فيُنسَون.
للوصول إلى الحقيقة، يجب أن نكسر أسطورة “الضحية المثالية”. يجب أن نسأل: من يُرثى؟ من يُتجاهل؟ ومن يستفيد من هذا الخلل؟