استقالت المصوِّرة الصحفية الكندية فاليري زينك من وكالة "رويترز"، مبرِّرة قرارها بما وصفته بـ"خيانة...

🔴الحرب على الحقيقة: لماذا يُستهدف الصحفيون الفلسطينيون في غزة؟
استقالة المصورة الصحفية الكندية فاليري زينك من وكالة “رويترز” لم تكن مجرد خطوة مهنية، بل كانت “صرخة ضمير”. بعد ثمانية أعوام من العمل، غادرت الوكالة متهمةً إياها بأنها “ناقل دعاية إسرائيلية” وتساهم في “الاغتيال المنهجي” للصحفيين في غزة. شهادتها القوية تسلط الضوء على سؤال مرعب في قلب الحرب المستمرة: لماذا تقتل إسرائيل الصحفيين الفلسطينيين بمعدل غير مسبوق؟ وما هي تبعات هذا الهجوم على الحقيقة؟
حجم الكارثة:
منذ 7 أكتوبر 2023، أصبح العدوان الإسرائيلي على غزة الفترة الأكثر دموية للصحفيين في التاريخ. وفقًا للاتحاد الدولي للصحفيين ومؤسسات إعلامية فلسطينية، قُتل ما لا يقل عن 246 صحفيًا وعاملًا في الإعلام. هذا الرقم يعكس عملية محو ممنهجة لأولئك المكلّفين بتوثيق واقع الحرب. قُتلوا في غارات جوية دمّرت مكاتب إعلامية كاملة، وقنصوا أثناء تغطيتهم الميدانية، وحتى استُهدفوا داخل خيامهم، كما حدث مع الصحفي حسن دوحان في خان يونس.
هذه ليست وفيات عرضية في تبادل إطلاق نار. تقارير من وسائل إعلام إسرائيلية مثل “القناة 14” تشير إلى أن الضربات على مواقع حساسة كالمستشفيات—حيث يكون الصحفيون غالبًا المصدر الوحيد للمعلومات—تُنفذ بـ”موافقة من القيادة العليا” و”بتنسيق مباشر مع كبار الضباط”. هذا يوحي بسياسة متعمدة، لا أخطاء مأساوية متكررة.
الأسباب: إسكات السردية وإخفاء الحقيقة
استهداف الصحفيين في غزة ليس عشوائيًا، بل هو جزء استراتيجي من الحملة العسكرية الأوسع. يشير محللون ومنظمات حقوقية إلى عدة دوافع رئيسية:
1⃣ السيطرة على السردية:
في الحروب الحديثة، المعلومات سلاح. عبر القضاء على الصحفيين الفلسطينيين المحليين، تسعى إسرائيل لاحتكار الرواية الخارجة من غزة. هؤلاء الصحفيون هم الشهود الأساسيون على الأرض، وغيابهم يخلق فراغًا معلوماتيًا يسمح للسردية العسكرية الإسرائيلية بالهيمنة دون مواجهة مباشرة.
2⃣ التعتيم على جرائم الحرب المحتملة:
الصحفيون هم أعين العالم. كاميراتهم وتقاريرهم توثق التكلفة الإنسانية للحرب: قصف المستشفيات والمدارس والمخيمات، سقوط النساء والأطفال، والكوارث الإنسانية الكبرى. إسكاتهم هو محاولة لتدمير الأدلة وإخفاء أفعال قد تُصنّف كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. 3⃣ نزع الإنسانية دون مساءلة:
كما أشار كتّاب مثل رمزي بارود، فإن محو الصحفيين الفلسطينيين هو جزء من عملية نزع الإنسانية. عندما يُزال من يروي القصة، يتحول الضحايا إلى أرقام، لا بشر لهم أسماء وعائلات. هذا يسهل التهرب من المساءلة الدولية ويكرّس فكرة أن غزة منطقة خارجة عن قواعد الحرب والأخلاق.
4⃣ ترهيب من تبقّى من الصحفيين:
كل صحفي يُقتل يرسل رسالة مرعبة لمن بقي: عملك يجعلك هدفًا. هذا يخلق بيئة من الخوف الشديد، حيث يصبح التغطية الشاملة مستحيلة، مما يعمّق التعتيم الإعلامي.
“حرب الإعلام” وتواطؤ الغرب:
وهنا نصل إلى النقطة الجوهرية التي أثارتها فاليري زينك:
دور الإعلام الغربي. “حرب الإعلام” لا تُخاض فقط في غزة، بل في غرف التحرير حول العالم. الاتهام بالتواطؤ ينبع من عدة ممارسات:
· تكرار الروايات الرسمية دون تمحيص:
غالبًا ما تُنقل تصريحات الجيش الإسرائيلي دون تحقق كافٍ، بينما تُقابل أرقام الضحايا الفلسطينيين بشك مفرط.
الانحياز اللغوي:
استخدام لغة مموّهة مثل “اشتباكات”، “رد”، “توفى”، يُخفي اختلال موازين القوى وواقع قصف قوة عسكرية عظمى لشعب محاصر.
مغالطة “كلا الطرفين”:
إضفاء مساواة زائفة بين جيش دولة ومجموعة مسلحة غير رسمية، دون مراعاة القانون الإنساني الدولي.
هذا الانحياز، كما قالت زينك، لا يحمي الصحفيين الغربيين، بل يخلق بيئة تسمح باستمرار قتل الصحفيين المحليين دون رد فعل حقيقي، وكأن الضوء الأخضر قد أُعطي.
خاتمة: هجوم على حق عالمي
قتل الصحفيين الفلسطينيين بشكل منهجي ليس مجرد مأساة، بل هو اعتداء على حق إنساني أساسي:
الحق في المعرفة.
عندما يُمحى الشهود، يُترك العالم أعمى. هذا يسمح بحدوث الفظائع في الظل، ويمنح مرتكبي جرائم الحرب القوة.
استقالة صحفيين مثل فاليري زينك هي فعل تضامن قوي يسلط الضوء على الأزمة الأخلاقية التي تواجه الصحافة العالمية. فشل المجتمع الدولي في وقف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها لا يخون الصحفيين الفلسطينيين فحسب، بل يقوّض مبادئ الحقيقة والعدالة التي يقوم عليها القانون الدولي. العالم لا يخسر صحفيين فقط، بل يخسر نافذته على الإبادة الجماعية، ومعها، ضميره .