الاستجابة للضغط الخارجي بالسحب السريع تُسجَّل كـ«سوابق»

سحب مشروع قانون الحشد الشعبي بضغطٍ أميركي: خطوةٌ إلى الوراء تهدّد أمن العراق وسيادته
في 27–28 آب/أغسطس 2025، سحبت الحكومة العراقية مشروع قانون «هيئة الحشد الشعبي» من مجلس النواب بعد أسابيع من التجاذب، في قرارٍ أكّد نوّاب ومسؤولون أنه جاء تحت «ضغطٍ خارجي» وبالتحديد من واشنطن، مع حديثٍ عن تحذيرات وتهديدات بالعقوبات إن مُرِّر القانون بصيغته المطروحة. هذا ما نقلته مصادر متقاطعة من بينها العربي الجديد، وThe National، ووكالة شفق نيوز، وتقارير تلخيصية عبر ReliefWeb، إضافةً إلى Rudaw وAmwaj.Media التي ربطت التطور بتوتّرٍ أوسع وبإعادة انتشارٍ أميركي شماليَّ البلاد.
هذه الخطوة ليست تقنية ولا إجرائية؛ إنّها سياسية بامتياز، ولها انعكاسات مباشرة على توازن الردع الداخلي، وعلى معادلة العراق الإقليمية في ذروة اضطراب الإقليم واحتمال توسّع الحروب.
لماذا نرفض سحب القانون الآن؟ 1⃣ لأنّ الحشد جزءٌ من الدولة منذ 2016 الحشد الشعبي مُنظَّم قانوناً ضمن المؤسسة العسكرية بقرارٍ تشريعي سابق (قانون رقم 40/2016)؛ وأي قانونٍ جديد كان يرمي إلى تنظيم الخدمة والرواتب والتقاعد والهيكلة الإدارية لسدّ «فراغات» ذلك التشريع المقتضب. سحبُ مشروع التنظيم يُبقي هذا الفراغ ويُضعف أدوات الدولة لمساءلة القوات ودمجها المؤسسي المنضبط. حتى مراكز بحثٍ ناقدة للحشد أقرت بأن قانون 2016 موجزٌ للغاية ويحتاج استكمالاً تنظيمياً.
2⃣ لأنّ السحب تحت ضغطٍ خارجي يمسّ السيادة وصُنع القرار الإقرار العلني والضمني بضغطٍ أميركي لإسقاط المسودة يعني عملياً تدويل التشريع الأمني العراقي. اليوم مشروع الحشد، وغداً أي ملفّ يتعلق بالمنظومة الدفاعية. الدولة التي تُدار قوانينُها من وراء البحار تفقد ثقة جمهورها وقواها الأمنية بها. هذا ما تعكسه تصريحات نوابٍ تحدّثوا صراحةً عن «ضغوط دولية» لحجب المشروع.
3⃣ لأنّ الأمن لا يحتمل فراغاً: الحشد صمّام أمان ضد داعش والقاعدة التقارير الأممية والدولية تحذّر، حتى هذا الشهر، من أنّ تهديد «داعش» لم يتلاشى، وأنّه يستغلّ أي فجوات أمنية في سوريا والعراق لإعادة تنظيم خلاياه. أي اهتزازٍ في شرعية الإطار الذي يعمل ضمنه الحشد، وأي إشارات تهميشٍ مؤسسي، يمنحان المتطرّفين نافذةَ عودةٍ ويُربكان الانتشار الميداني في ديالى وكركوك وصلاح الدين وحمرين… وهي مناطق خبرَ الحشدُ تضاريسها وخلاياها.
4⃣ لأنّ التنظيم المؤسسي— ليس الإقصاء—هو طريق الانضباط شهدنا هذا الشهر قراراتٍ صارمة بإعفاء قادة ألوية وإحالة متورطين للقضاء إثر حادثة الصدام في بغداد. ما جرى يؤكد أن العلاج هو بترسيخ السلسلة القيادية والمساءلة القانونية داخل إطارٍ مُنظم، لا بتجميد الإطار التشريعي نفسه. تقوية القانون تُسهل محاسبة أي تشكيل يخرج عن الأوامر، بينما السحب يُربك المعايير ويغذّي الازدواجية.
ما الذي تريده واشنطن من إسقاط القانون؟
تحجيم نفوذ قوى «المقاومة» وتقليص ميزانية الحشد ونفوذه الإداري: تحليلات أميركية صريحة ترى أن أي تعزيزٍ لموقع الحشد في بنية الدولة يوسّع هامش القوى الأقرب إلى طهران، لذا تُفَضِّل إبقاء الإطار القانوني هشّاً ومعلّقاً.
إبقاء ورقة الضغط على بغداد في مفاوضات الوجود العسكري الأميركي، وربط ملف الحشد بمسار القواعد والتعاون الأمني. تقارير إقليمية ربطت السحب بإعادة تموضع قواتٍ أميركية في كردستان وبمفاوضاتٍ أشمل على قواعد الاشتباك.
إدارة الصراع مع إيران بالوكالة داخل العراق: كلّما ضعفت أدوات الدمج المؤسسي للحشد، ازداد تفكّكه وازدادت قابلية استثماره في لعبة عضّ الأصابع الإقليمية، وهو ما يُبقي بغداد في موقعٍ دفاعي دائم.
هذه الأهداف، من منظورٍ عراقي وطني، لا تخدم مصلحة الاستقرار الداخلي، بل تُحوّل العراق إلى ساحة ضغطٍ ومساومة بدل أن يكون دولةً مُستقرة بقرار سيادي مستقل.
«خنوع» الحكومة: الكلفة السياسية والأمنية
الاستجابة للضغط الخارجي بالسحب السريع تُسجَّل كـ«سوابق». إنها تبعث برسالة سلبية لمنتسبي الحشد (مئات الآلاف بين مقاتل وموظف) بأن حقوق الخدمة والتقاعد والتراتب الوظيفي «ورقة مساومة»، وتُشعر بيئاتٍ اجتماعية واسعة بأن تضحياتها في الحرب على داعش تُستَثمَر سياسياً ضدها. داخلياً، يفتح ذلك الباب لتوتّرات داخل القوات النظامية نفسها ويُضعف ثقة الشارع بالإصلاح الأمني، ويعقّد إمكان أي إعادة هيكلة لاحقة على قاعدة الرضا والالتزام.