عن النفاق والسيادة: لماذا تفكر إيران في الخروج النووي

في رقعة الشطرنج الكبرى للسياسة الدولية، غالبًا ما تُكتب القواعد وتُعاد كتابتها وتُفرض من قبل قلةٍ من الدول بهدف الحفاظ على هيمنتها المطلقة. إن القرار الأخير لمجلس الشورى الإسلامي في إيران بوضع مسودة عاجلة لمشروع قانون يتيح احتمال الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) ليس فعلًا عدائيًا، بل استجابة عقلانية لحملة متواصلة من الإرهاب الدبلوماسي والاقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون. هذه الخطوة، التي جاءت نتيجة مباشرة لإقدام الترويكا الأوروبية (E3) على تفعيل ما يُسمى بآلية “سناب باك”، تمثل لحظة حرجة تدفع دولةً بأكملها لإعادة النظر في قيمة معاهدة يتجرأ الموقّعون عليها على انتهاك روحها بكل وقاحة.
المهزلة القانونية لآلية “سناب باك”
مفهوم عقوبات “سناب باك” كان نتاج الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، أو ما يُعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA). وقد صُمم كآلية لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة بسرعة في حال وُجدت إيران في خرق جوهري لالتزاماتها. لكن هذه الآلية ارتبطت جوهريًا بالاتفاق النووي. الولايات المتحدة، في عهد إدارة ترامب، انسحبت من الاتفاق بشكل أحادي وغير قانوني عام 2018، في انتهاك صارخ للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن 2231 الذي صادق على الاتفاق. وبذلك، تكون واشنطن قد فقدت أي أساس قانوني أو أخلاقي لاستدعاء آلياته.
أما الخطوة الأوروبية الأخيرة لتفعيل “سناب باك”، فهي ليست مشبوهة قانونيًا فحسب، بل أيضًا فعل ينطوي على سوء نية عميق. إذ تأتي في وقت لا يزال فيه مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية يعملون بنشاط داخل إيران، وهو ما يُسقط ذريعة الترويكا الأوروبية عن وجود أزمة نووية عاجلة وغير مضبوطة. تقارير الوكالة، رغم ما يعتريها أحيانًا من تسييس واستناد إلى مزاعم غير مثبتة، أكدت باستمرار أن البرنامج النووي الإيراني سلمي ويخضع للتحقق. تفعيل “سناب باك” لم يكن إجراءً إجرائيًا بل سلاحًا سياسيًا بيد واشنطن لإدامة سياسة “الضغط الأقصى” وخنق الاقتصاد الإيراني.
تاريخ من الانتهاكات الغربية والمعايير المزدوجة
لفهم الموقف الإيراني، يجب النظر إلى النمط المستمر من الانتهاكات الغربية. تأسست معاهدة حظر الانتشار على صفقة كبرى: الدول غير النووية تتخلى عن السلاح النووي، مقابل أن تعمل الدول النووية (NWS) على نزع سلاحها تدريجيًا. لكن الولايات المتحدة وغيرها من الدول النووية تجاهلت لعقود التزامها بموجب المادة السادسة، بل مضت في تحديث وتوسيع ترساناتها النووية.
وفوق ذلك، كان الاتفاق النووي إنجازًا دبلوماسيًا صعبًا قَبِلت فيه إيران بمراقبة غير مسبوقة مقابل رفع العقوبات. لكن الانسحاب الأميركي كان الخطيئة الأصلية التي أطاحت بالاتفاق. أما أوروبا، ورغم وعودها بإنشاء آليات مثل “إنستيكس” لتجاوز العقوبات الأميركية، فقد فشلت تمامًا في الوفاء بوعودها وخضعت للضغط الأميركي، تاركة الاقتصاد الإيراني ينزف. واليوم، يشكل تفعيل “سناب باك” خيانة أخيرة تُثبت أن أوروبا ليست وسيطًا نزيهًا، بل مجرد شريك صغير في حملة الإكراه الأميركية.
الهدف الجيوسياسي: الخضوع لإسرائيل وإضعاف إيران
هذه الحملة لا علاقة لها حقًا بمنع الانتشار النووي. فلو كان الأمر كذلك، لكان الغرب تناول الترسانة النووية للكيان الإسرائيلي – غير الموقع على معاهدة NPT والذي يملك مئات الرؤوس النووية – بقدر من الجدية يقارب ما يفعله تجاه برنامج إيران السلمي والخاضع للتفتيش. الهدف الحقيقي هو جيوسياسي: شلّ الجمهورية الإسلامية وإقصاؤها كقوة إقليمية مستقلة تتحدى الهيمنة الأميركية والإسرائيلية. إن سياسة “الضغط الأقصى” ليست سوى أداة لتغيير النظام، ترمي إلى إثارة الاضطرابات الداخلية وإجبار إيران على الخضوع. أما الملف النووي فليس إلا ذريعة مريحة.
العواقب ومسار الخروج من الهاوية
الانسحاب من معاهدة NPT سيكون حدثًا زلزاليًا بتبعات عميقة. إذ سيزيد عزلة إيران دبلوماسيًا، ويوفر للولايات المتحدة وإسرائيل ذريعة لمزيد من التحركات العدوانية، وربما يشعل سباق تسلح إقليمي. لكن، من وجهة نظر طهران، حين تتحول معاهدة إلى أداة يستخدمها خصومك لمعاقبة شعبك قانونيًا من دون أي فوائد ملموسة، فإنها تفقد كل قيمتها. فالسيادة والكرامة الوطنية ليستا سلعة للتفاوض مقابل وعود فارغة.
ولتفادي التصعيد، يتطلب المسار الأمثل إعادة ضبط جذرية في السياسة الغربية:
1⃣ إلغاء تفعيل سناب باك: على الترويكا الأوروبية التراجع الفوري عن هذه الخطوة الكارثية.
2⃣ العودة إلى الامتثال: على الولايات المتحدة أن تعود دون شروط إلى الاتفاق النووي وترفع كل العقوبات التي أعيد فرضها منذ 2018. وعلى أوروبا أن تضمن التزاماتها الاقتصادية.