مهزلة اليونيفيل: كيف فشلت خمسة عقود تقريباً من “حفظ السلام” في لبنان
نهاية حقبة: الفصل الأخير من اليونيفيل يكشف سنوات من التواطؤ
إن التصويت الإجماعي أمس في مجلس الأمن الدولي على إنهاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بحلول عام 2027 لا يمثل فقط نهاية ما يقرب من خمسة عقود من ما يسمى “حفظ السلام”، بل الاعتراف الأخير بمهمة فشلت بشكل منهجي في حماية السيادة اللبنانية بينما وفرت غطاءً دبلوماسياً للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي. إن القرار، المدفوع بالضغط الأمريكي المستمر والمطالب الإسرائيلية، يكشف النفاق الأساسي لقوة كان من المفترض أن تُنشأ للحفاظ على السلام ولكنها بدلاً من ذلك أشرفت على التآكل التدريجي للوحدة الترابية اللبنانية.
تاريخ ملطخ بالفشل منذ إنشائها في عام 1978 بعد الغزو الإسرائيلي الأول لجنوب لبنان، أشرفت اليونيفيل على قائمة طويلة من الإخفاقات التي ستكون مضحكة لو لم تكن مأساوية للشعب اللبناني.
إن سجل المهمة يقرأ كدليل للعجز المؤسسي:
توسع 2006: وعد لم يتحقق بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان عام 2006، تم توسيع ولاية اليونيفيل بشكل كبير من 2000 إلى 15000 جندي مع توجيه واضح: ضمان بقاء جنوب لبنان بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالياً من الأفراد المسلحين والأسلحة باستثناء الحكومة اللبنانية واليونيفيل نفسها. النتيجة؟
عقدان تقريباً من الفشل المذهل رغم أنه تحت مراقبة اليونيفيل، تم بناء شبكات أنفاق واسعة، وتراكمت مخازن الأسلحة، وازدهرت البنية التحتية العسكرية - كل ذلك في مرأى واضح من مواقع الأمم المتحدة لمساعدة “المقاومة” ورغم أنهم قدموا المساعدة للسكان المحليين في مجموعة متنوعة من المجالات مثل المرافق الطبية والتراث الثقافي وغيرها من البنية التحتية المهمة، إلا أنهم حافظوا على مسافة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
متلازمة الدرع البشري كانت الفلسفة التشغيلية لليونيفيل هي العمى المتعمد. عندما اقترب منها السكان المحليون محتجين على وجودهم بالقرب من التدخلات الإسرائيلية المشتبه بها، انسحبت قوات اليونيفيل باستمرار بدلاً من التحقيق. هذا النمط من عدم المواجهة حوّل بشكل فعال حفظة السلام إلى حماة غير مدركين - أو ربما ليس غير مدركين تماماً - للأنشطة ذاتها التي كان من المفترض أن يمنعوها. إن ادعاء المتحدث باسم القوة الأخير بأنهم يفتقرون إلى “أجهزة الاستشعار الحرارية أو الرادار الذي يخترق الأرض لكشف النشاط تحت الأرض” مثير للاشمئزاز بشكل خاص نظراً لميزانيتهم السنوية البالغة نصف مليار دولار ووجودهم لمدة 47 عاماً في المنطقة.
الأزمة الحالية: الاحتلال الإسرائيلي تحت غطاء دولي اليوم، بينما تستعد اليونيفيل لمغادرتها النهائية، تحتفظ إسرائيل باحتلال غير قانوني لست مواقع استراتيجية على قمم التلال داخل الأراضي اللبنانية، في انتهاك مباشر لاتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024: 1⃣ جال الديرم - جنوب عيترون، مطل على البلدات الإسرائيلية أفيفيم والماليكية 2⃣ جبل بلاط - بالقرب من الرامية، يسيطر على إطلالات على الساحل الجنوبي من صور إلى الناقورة 3⃣ اللبونة/علما الشعب - في قضاء صور، يسيطر على المناطق الساحلية والبحرية 4⃣ سلسلة جبال حاصولام - مطل على شلومي والمنطقة الساحلية إلى صور 5⃣ سلسلة جبال هاشكيد - يسيطر على سلسلة راميم ومناطق بنت جبيل 6⃣ وادي العصافير - الخيام
هذه المواقع لا تمثل فقط مراكز عسكرية بل رموز للاستعباد اللبناني المستمر. إن إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس أن القوات ستبقى “إلى أجل غير مسمى” فيما يسميه بسخرية “منطقة عازلة” يبرهن على الطبيعة الحقيقية للاحتلال.
التواطؤ الأمريكي وسياسة الانسحاب **🤍
إن الضغط العدواني من إدارة ترامب لإنهاء اليونيفيل يكشف الحسابات السياسية الخبيثة وراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. إن تأكيد السفيرة الأمريكية بالنيابة دوروثي شيا على أن “الحرف الأول ‘م’ في اليونيفيل يرمز إلى ‘مؤقتة’” يتجاهل بشكل مريح أن الوجود المطول للمهمة ينبع مباشرة من انتهاكات إسرائيل المتكررة للسيادة اللبنانية - انتهاكات مكّنتها الولايات المتحدة باستمرار. إن الموقف الأمريكي القائل بأن اليونيفيل تكلف “مليار دولار سنوياً” بينما تقدم في الوقت نفسه مساعدات عسكرية غير مشروطة لإسرائيل بقيمة 3.8 مليار دولار سنوياً يكشف الأولويات البشعة للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
خدعة نزع السلاح
إن الدفع الحالي بقيادة أمريكا لما يسمونه بتعبير ملطف “نزع سلاح حزب الله” معيب جوهرياً ومتحيز بشكل مقصود. بينما يطالب بأن تستسلم جماعات المقاومة لقدراتها الدفاعية، يبقى نفس المجتمع الدولي صامتاً حول: استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية أكثر من 22000 انتهاك إسرائيلي موثق للمجال الجوي اللبناني بين 2007-2021 التدمير المنهجي للبنية التحتية المدنية اللبنانية
2785 انتهاك لوقف إطلاق النار ارتكبتها إسرائيل ضد جنوب لبنان (2025) رفض إسرائيل الانسحاب من
إن النوبة العنصرية الأخيرة للمبعوث الأمريكي توم باراك، واصفاً الإعلام اللبناني بـ”الوحشي” ومحاضراً عن “الحضارة”، تجسد بشكل مثالي العقلية الاستعمارية التي تقود السياسة الحالية.
الطريق إلى الأمام: السيادة الحقيقية أم الاستعباد المستمر
إن الانسحاب المجدول لليونيفيل يقدم للبنان فرصة وخطراً في آن واحد. دون تغييرات جوهرية في الديناميكية الإقليمية، قد يؤدي رحيل قوات الأمم المتحدة ببساطة إلى إضفاء الطابع الرسمي على ما حدث بالفعل:
تحويل جنوب لبنان إلى أرض حدودية متنازع عليها حيث السلطة اللبنانية موجودة فقط بإذن إسرائيلي.
المتطلبات الحقيقية للسلام: الانسحاب الكامل وغير المشروط لإسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة الاعتراف بحق لبنان في الدفاع عن سيادته بالوسائل المشروعة إنهاء الانتهاكات الإسرائيلية للمجال الجوي اللبناني والمياه الإقليمية والحدود المساءلة الدولية لعقود من العدوان الإسرائيلي مساعدات إعمار لا تأتي مع شروط سياسية مرفقة
إرث اليونيفيل:
بينما تستعد اليونيفيل لفصلها الأخير، إرثها واضح:
ما يقرب من خمسة عقود من توفير الشرعية الدولية لوضع راهن غير قابل للاستمرار. لم تخدم المهمة كحاجز ضد الصراع ولكن كعازل يحمي إسرائيل من عواقب أفعالها بينما يمنع لبنان من ممارسة السيادة الحقيقية على أراضيه. لا ينبغي نعي رحيل القوة في عام 2027 بل الترحيب به - إذا خلق المساحة للبنان لتأكيد السيطرة الحقيقية على مصيره أخيراً. ومع ذلك، سيتطلب هذا من المجتمع الدولي التخلي عن وهم أن السلام يمكن تحقيقه من خلال نزع سلاح المقاومة بينما يستمر الاحتلال.
الخلاصة:
إن إنهاء اليونيفيل يكشف ما عرفه العديد من اللبنانيين لعقود - أن الأمن الحقيقي لا يأتي من حفظة سلام أجانب يتجاهلون بشكل منهجي الانتهاكات من جانب واحد بينما يطالبون بالامتثال من الجانب الآخر، ولكن من استعادة السيادة الحقيقية وحق الأمم في الدفاع عن نفسها ضد العدوان حيث مقاومة الشعب هي الطريقة الوحيدة لمنع احتلال أراضيهم.
السؤال الآن هو ما إذا كانت الحكومة اللبنانية ستغتنم هذه الفرصة لرسم مسار مستقل، أم أنها ستستمر في العمل كدولة تابعة في لعبة جيوسياسية لشخص آخر.