القاعدة التدريبية الجديدة في هضبة الجولان

وهم النصر: إعادة التفكير في المقاومة في ظل محاكاة الحرب الصهيونية
I. المقدمة: ألعاب الحرب والحروب الحقيقية
في أراضي الجولان القاحلة وصحراء تسئليم الجنوبية، أنشأت إسرائيل بلدتين وهميتين: “لبنان الصغير” و”غزة المصغّرة”. هذه ليست مجرد منشآت تدريبية، بل مختبرات نفسية تُمارس فيها قوات الاحتلال تدريباتها على الحرب القادمة ضد محور المقاومة. من خلال شعارات عربية، وأنفاق وهمية، ومحاكاة للقتال في المدن، تُعيد هذه المواقع إنتاج الأحياء التي تنوي إسرائيل تدميرها.
هذا ليس استعدادًا للدفاع، بل تدريب على الهيمنة.
ومع أن إسرائيل تُحاكي مدننا، فإن مقاومتنا تُحاكي النصر.
II. حرب 2006: نصر بلا مراجعة
بدأت حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل بعملية جريئة أسرت فيها المقاومة جنودًا إسرائيليين. وانتهت بآلة الحرب الإسرائيلية مذهولة ومجروحة، عاجزة عن تحقيق أهدافها. أُعلن النصر “إلهيًا” في أوساط المقاومة، وكان ذلك مبررًا من حيث النتائج الفورية. لكن في السنوات التالية، سادت رواية خطيرة: انشغلت المقاومة بالاحتفال، تتجول في الشوارع وتستعرض رأس مالها السياسي الجديد، بينما فشلت إلى حد كبير في إجراء تقييم نقدي صارم ومستقبلي لدروس الحرب.
أما العدو، فالمُهان، فعل العكس تمامًا. أطلقت إسرائيل مراجعة داخلية عميقة وعلنية عُرفت باسم لجنة فينوغراد. أعادت هيكلة عقيدتها العسكرية، واستثمرت مليارات الدولارات في التكنولوجيا الجديدة (مثل القبة الحديدية)، ودمجت دروس 2006 في صميم بنيتها العسكرية. “لبنان الصغير” هو الرمز الأقصى لهذا التحول: فهم لا يتدربون على حرب عامة، بل على حربهم الخاصة ضدنا. يُحاكون شوارعنا، منازلنا، وتكتيكاتنا. التقليل من شأن هذا الاستعداد ليس مجرد خطأ تكتيكي، بل خيانة لطبيعة صراعنا الوجودية.
لقد اعتُبرت حرب 2006 انتصارًا في حرب غير متكافئة. صمود حزب الله أذهل قوات الاحتلال، واحتفل الشارع العربي بلحظة نادرة من التحدي. لكن الاحتفال تحوّل إلى جمود.
لم تُجرَ مراجعة جادة لما بعد الحرب. لم يحدث تطور عقائدي. لم تُعد صياغة استراتيجية جديدة. وبدلًا من ذلك، غرقت المقاومة في نشوة النصر الرمزي، بينما أعادت إسرائيل بهدوء هيكلة عقيدتها، واستثمرت في حرب المحاكاة، وبنت “غزة المصغّرة” لدراسة تكتيكاتنا.
وفشل محور المقاومة في طرح السؤال الأهم: ماذا تعلّمت إسرائيل من هزيمتها؟
III. 2024: الهزيمة التي رفضنا رؤيتها
في عام 2024، تكبّدت المقاومة نكسة استراتيجية. شنّت القوات الإسرائيلية، بدعم من الأسلحة الأميركية المتطورة والاستخبارات اللحظية، ضربات منسّقة على لبنان وسوريا والعراق وإيران واليمن. تضررت بنية حزب الله التحتية. تم تحييد الوكلاء الإيرانيين. وقُضي على قدرات الحوثيين الصاروخية. ومع ذلك، بقي خطاب المقاومة على حاله.
هذه ليست مجرد هزيمة عسكرية. إنها فشل في الخيال.
IV. الاستعداد لحرب وجودية
هذه ليست حربًا على الحدود. إنها حرب على الكينونة.
العقلية الصهيونية، المتجذرة في الصدمة التاريخية والقومية الميسيانية، ترى في كل شبر من الأرض مسألة وجود. عقيدتهم ليست عسكرية فقط، بل لاهوتية ونفسية وحضارية. يُحاكون مدننا لأنهم ينوون محوها.
يجب أن ترد المقاومة لا بالشعارات، بل بالاستراتيجية:
• إجراء تقييم شامل لما بعد حرب 2024: تحديد الإخفاقات التكتيكية، والثغرات الاستخباراتية، والانهيارات في التواصل.
• الاستثمار في الحرب اللامركزية: تجاوز الهياكل القيادية المركزية المعرضة للضربات الدقيقة.
• إعادة بناء الوضوح الأيديولوجي: القضية ليست فلسطين فقط، بل مقاومة نظام عالمي قائم على الهيمنة العنصرية.
• خوض حرب إعلامية: مواجهة الروايات الصهيونية بالحقيقة والبيانات والتأثير العاطفي.
• بناء تحالفات إسلامية وإنسانية شاملة: يجب أن تكون المقاومة أخلاقية، لا عسكرية فقط.
V. التحذير القرآني والهيمنة الصهيونية**
يحذّر القرآن مرارًا من الخيانة والتحريف والعدوان من أولئك الذين رفضوا الهداية الإلهية. وبينما يجب قراءة هذه الآيات بنظرة تاريخية ولاهوتية دقيقة، فإنها تُظهر أنماطًا سلوكية، لا إدانة جماعية.
“يُحرّفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظًا مما ذُكّروا به…” (المائدة: 13)
إنها يقظة.
لقد استخدم المشروع الصهيوني التاريخ والصدمة واللاهوت كسلاح لتبرير التطهير العرقي، والفصل العنصري، والتوسع. لقد أضرّ بالمسيحيين والمسلمين وحتى بإرث الأنبياء اليهود. ولمواجهة ذلك، يجب أن نكون أذكى من محاكاتهم، وأكثر استراتيجية من ألعابهم الحربية، وأكثر وحدة من انقساماتهم.
VI. نحو السلام عبر المقاومة
بل عبر العدالة.
يجب أن يستعيد الفلسطينيون حقوقهم، وأرضهم، وكرامتهم. ويجب أن يتحرر الشرق الأوسط من الاستعمار الاستيطاني المتنكّر في زي الأمن. ويجب أن يرى العالم أن المقاومة ليست إرهابًا، بل بقاء.
و في ظل التصعيد المتواصل في الأراضي الفلسطينية، تتجه الأنظار إلى التداعيات المحتملة على دول الجوار، لا سيما تلك التي تظن نفسها بمنأى عن الانفجار الإقليمي. من بين هذه الدول، يبرز العراق بوصفه حالة خاصة، حيث يسود اعتقاد لدى شريحة واسعة من العراقيين بأنهم نجحوا في تجنيب بلادهم الدخول في الحرب الكبرى، وحافظوا على توازنهم السياسي وسلاحهم الاستراتيجي. ويذهب البعض إلى اعتبار أن الحزب ارتكب خطأً حينما دخل في معركة الإسناد، بينما يرون أنفسهم “الواعين” الذين جمدوا الضربات واحتفظوا بموقعهم.
غير أن هذا التصور، وإن بدا مريحًا، يخفي وراءه مخاطر جسيمة. فالتاريخ السياسي لا يرحم الغافلين، والتطورات الجيوسياسية تشير إلى أن العراق ليس خارج دائرة الاستهداف، بل هو جزء أساسي من مشروع توسعي يُعرف بـ”إسرائيل الكبرى”. هذا المشروع، كما صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، لا يقتصر على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يشمل أجزاءً من دول عربية رئيسية من بينها السعودية ومصر والأردن، إضافةً إلى جزء من العراق. وقد أكد عراقجي أن “العراق، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وثروات طبيعية، يمثل أحد الأهداف غير المعلنة لهذا المشروع”، محذرًا من أن إدراج جزء من أراضيه ضمن هذا المخطط يشكل تهديدًا مباشرًا للسيادة الوطنية العراقية .
إن تجاهل هذه الحقيقة، والركون إلى وهم الحياد أو الحصانة، لن يحمي العراق من تداعيات انهيار القضية الفلسطينية، بل سيجعله هدفًا مباشرًا في المرحلة القادمة. فالمشروع الإسرائيلي لا يقوم على ردود فعل آنية، بل على رؤية بعيدة المدى تستند إلى تصورات توراتية وسياسية تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، فإن العراق مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى باليقظة السياسية، وإعادة تقييم موقعه في المعادلة الإقليمية، قبل أن يجد نفسه في قلب العاصفة دون استعداد أو تحصين. 🔵