العراق وحلف الناتو ومعضلة التوازن: إلى أين يقود السوداني البلاد؟

في 8 سبتمبر 2025، قام رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني بزيارة مثيرة للجدل لمقر حلف الناتو في بروكسل. أعلن أن العراق "يتبنى سياسة التوازن ولا ينضم إلى أي محور". لكن على الطاولة نفسها، كانت الأهداف المُعلَنة هي:
تعزيز العلاقات مع حلف الناتو تطوير القدرات الدفاعية والردعية المشاركة في التخطيط للأمن الإقليمي
هذا يكشف عن مفارقة صارخة: فبينما يُعلن الحياد، فإن العراق يدخل في تعاون أعمق مع أحد أكبر الكتل العسكرية العالمية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون.
ماذا تعني زيارة زعيم عربي لحلف الناتو؟
يجب فهم زيارة السوداني في إطار محاولة الغرب إعادة دمج العراق في نطاق نفوذه تحت غطاء "التدريب والتعاون وبناء القدرات". تحدث مسؤولو الناتو عن تعزيز الدفاع الجوي العراقي ومكافحة الإرهاب والدفاع السيبراني والبنية التحتية الأمنية.
أما لمحور المقاومة، فهذا إنذار خطر: إنه تحول رمزي يضع العراق أقرب إلى المشروع العسكري الغربي. حتى لو كان مغلفًا بلهجة دبلوماسية، فإن التعاون مع الناتو يضع بغداد تحت تأثير واشنطن ولندن - نفس العواصم المسؤولة عن الغزو والاحتلال عام 2003.
هل هناك تناقض في سياسة السوداني؟
التناقض واضح. فمن ناحية، يدعي السوداني أن العراق لا ينضم إلى أي محور. ومن ناحية أخرى، توقع حكومته اتفاقية أمنية مع بريطانيا (يناير 2025)، وتنسق عسكريًا مع الناتو، وتعمق العلاقات مع واشنطن.
وفي الوقت نفسه، وقع مذكرة أمن حدودي مع إيران (أغسطس 2025). من الواضح أن السوداني يحاول المناورة بين أقطار متضاربة: أن يبدو "متوازنًا" بينما يميل عمليًا نحو الغرب.
كيف سيؤثر التعاون مع الناتو على العراق؟
ترقيات عسكرية وتقنية برامج تدريب والدفاع السيبراني وتحديث مؤسسات الأمن العراقية تقدم مهمة الناتو غير القتالية في العراق (NMI) دعماً استشارياً مشكلاً مباشرة وفق العقائد الغربية.
التبعات السياسية
على الرغم من تقديمه كـ"بناء قدرات"، فإن هذا التعاون قد يرسخ اعتماد العراق على الغرب ويقوض السيادة التي ضحى من أجلها المقاومون العراقيون بالكثير من الدماء.
ماذا عن الحشد الشعبي؟ 🇮🇶
الحشد الشعبي، المدعوم من إيران والمترسخ بعمق في البنية السياسية والأمنية للعراق، يُعتبر لاعبًا محوريًا. فبأكثر من 230 ألف مقاتل وميزانية ضخمة، لا يمكن تجاوز نفوذه.
إن التعاون مع الناتو يهدد بخلق توترات بين أجهزة الدولة العراقية وبين الفصائل الموالية لمحور المقاومة. ولعل اشتباكات بغداد في تموز/يوليو 2025 بين الشرطة الاتحادية العراقية وأعضاء من كتائب حزب الله تذكير بمدى هشاشة التوازنات الداخلية.
وإذا اتسع نفوذ الناتو، فقد يُستغل كأداة لتقييد الحشد أو تفكيكه أو نزع شرعيته—وهو أمر تسعى إليه الولايات المتحدة منذ عام 2017.
العراق، إيران، والتفاهم الدفاعي
في آب/أغسطس 2025، وقّعت بغداد مذكرة أمنية مع طهران لضبط الحدود المشتركة وإدارة التحديات القائمة. وهذا يؤكد أن العراق لم يتخلَّ عن جاره الإيراني. غير أن مغازلة الناتو في الوقت نفسه تعرّض سياسة السوداني للتناقض: إذ يُرضي إيران علنًا، بينما يقدّم التنازلات للغرب سرًا.
التخطيط الأمني الإقليمي في مواجهة محور المقاومة
تصريحات السوداني في الناتو بشأن المشاركة في “التخطيط الأمني الإقليمي” تحمل دلالات خطيرة. فبالنسبة لمحور المقاومة—إيران، حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن—أي إطار أمني يصمّمه الناتو هو عدائي بطبيعته.
وعليه، فإن انخراط العراق في التخطيط الغربي قد يُضعف من مصداقيته كجزء من “محور المقاومة”، ويثير الشكوك في أن بغداد قد تساهم في تسهيل استراتيجيات الاحتواء الغربية ضد طهران.
المشهد الجيوسياسي الأوسع
مع روسيا: يحافظ السوداني على الحوار والتنسيق مع موسكو بشأن سياسات أوبك+. لكن التعاون مع الناتو سيؤدي حتمًا إلى فتور في علاقات بغداد مع روسيا.
مع الولايات المتحدة: على الرغم من الدعوات السابقة لإعادة النظر في وجود قوات التحالف، إلا أن تقارب السوداني مع الناتو يضع العراق في مسار أكثر انسجامًا مع البنية الأمنية لواشنطن.
مع سوريا: شدّد السوداني على رفض التدخل الأجنبي ودعم الحل السياسي.
الخلاصة – من منظور محور المقاومة
يقدّم السوداني استراتيجيته على أنها “حياد متوازن”. لكن في الواقع، العراق ينزلق تدريجيًا إلى المدار الغربي. فخطابه عن الاستقلالية يخفي اصطفافًا أعمق مع الناتو والأجندة الأنغلو–أمريكية.
هل هناك تناقض؟ نعم. الادعاء بعدم الانحياز يتعارض مع الخطوات العملية نحو الغرب.
تقوية سلطة الدولة المركزية قد تأتي على حساب تهميش الحشد الشعبي، الذي يُعد ركيزة من ركائز السيادة العراقية في مواجهة الاحتلال الأميركي.
التأثير في الخارج؟ العراق يواجه خطر أن يتحوّل إلى دولة حاجزة ضد إيران، مع فقدان مصداقيته داخل محور المقاومة.
بالنسبة للمقاومة، فإن “توازن” مجرد وهم خطير. فالسيادة الحقيقية تعني رفض حضن الناتو، لا استدعاءه مجددًا إلى بغداد. لقد دفع العراق ثمنًا باهظًا بسبب الحروب والتدخلات الغربية—وطريق الاستقلال لا يمكن أن يمر عبر بروكسل أو لندن.