عناصر من ميليشيا الكتائب اللبنانية (الفالانج) في بيروت خلال الثمانينيات

🔴أربعون عاماً.. ومذبحة صبرا وشاتيلا لا تزال تئن: إفلات قديم من العقاب يتكرر على مرأى من العالم
يصادف هذا الشهر ذكرى مذبحة صبرا وشاتيلا، الذكرى الأليمة التي لا ينبغي أن تمر كمجرد مناسبة للحديث عن "ذكرى" أو "تاريخ"، بل كجرح نازف وشاهد صارخ على نظام الإفلات من العقاب الذي مكن جرائم الحرب مرة بعد مرة. قبل أربعة عقود، بين 16 و18 أيلول/سبتمبر 1982، اقتحمت ميليشيات القوات اللبنانية (الكَتائب) المخيمين الفلسطينيين في بيروت، وهي محاصرة من قبل الجيش الإسرائيلي الذي كان بقيادة أرئيل شارون.
لم تكن تلك الميليشيات تدخل لمواجهة المناضلين، بل لقتل المدنيين العُزّل: رجال، نساء، أطفال، عجائز. على مدى 48 ساعة، قاموا بعملية ذبح ممنهجة، طعناً وذبحاً بالبلطات والسلاح الأبيض، فيما كانت القوات الإسرائيلية تُضيء السماء بالقنابل المضيئة لتسهيل عمل الجلادين وتحاصر المخيمات لتمنع أي أحد من الهروب. كانت النتيجة مقتل ما بين1300 إلى 3500 فلسطيني ولبناني، وفقاً لتقديرات مختلفة، في واحدة من أبشع المجازر في التاريخ الحديث.
الأسباب: الإنتقام بعيداً عن أعين الإعلام
كانت أسباب المذبحة مباشرة وقذرة: إنتقاماً لاغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل، الزعيم الكتائبي والحليف المفضل لإسرائيل. لقد سُحقت أية فكرة عن "العدالة" أو "المحاسبة" تحت أقدام أيديولوجية عنصرية تريد إراقة دماء المدنيين كعقاب جماعي. لقد رأت إسرائيل والميليشيات المتحالفة معها في اللاجئين الفلسطينيين ليس بشراً، بل مشكلة يجب حلها، ورصيداً سياسياً وعسكرياً للعدو يجب سحقه.
العواقب: صمت قاتل وإفلات من العقاب
كانت العواقب صادمة في تفاهتها الشريرة. تشكلت لجنة تحقيق إسرائيلية (لجنة كاهان) ووجدت أن "إسرائيل غير مباشرة مسؤولة" ووصفت أرئيل شارون بأنه "مُقَصِّر"، فما كان منه إلا أن استقال من منصب وزير الدفاع ليعود لاحقاً ويصبح رئيساً للوزراء. أما القتلة المباشرون على الأرض، فلم يحاسب أحد منهم بشكل ذي معنى. لقد كان الرسالة واضحة: يمكنك ذبح المئات من المدنيين العزّل، وإذا كان لديك حلفاء أقوياء وحصانة جيوسياسية، فستنال في أسوأ الأحوال توبيخاً على يدك.
من صبرا وشاتيلا إلى غزة: نفس الدم، نفس الإفلات من العقاب
اليوم، وبعد أربعين عاماً، نحن لسنا بحاجة للبحث في الأرشيف لشاهد على الإفلات من العقاب؛ فهو يبث على الهواء مباشرة من غزة. الآلة ذاتها، الأيديولوجية الاستعمارية ذاتها، آلية التبرير ذاتها. القصف على الأحياء السكنية، استهداف المستشفيات والمدارس، قطع الماء والغذاء والكهرباء، والقتل الممنهج لعائلات بأكملها تحت ذريعة "الحق في الدفاع عن النفس".
الفارق الوحيد بين صبرا وشاتيلا وغزة اليوم هو تقنية القتل. لم تعد هناك حاجة لميليشيات تدخل بالسيوف؛ فالقنابل الذكية والطائرات المسيرة بدون طيار تقوم بالمهمة بكفاءة أكبر، وتوفر على القتلة عناء النظر في عيون ضحاياهم. ولكن النتيجة النهائية واحدة: جثث أطفال ممزقة، وأسر تنتهي، ومخيمات تُمحى من على وجه الأرض.
والأكثر إثارة للغثيان هو تكرار نفس مسرحية "المحاسبة" الهزلية. تقوم الأمم المتحدة بإصدار تقارير تدين "كلا الطرفين" بشكل متساوٍ بين الجلاد والضحية. تعلن الولايات المتحدة "قلقها" وتدعو إلى "ضبط النفس" بينما تواصل تمويل وتسلح الجانب الذي ينفذ الإبادة. المحكمة الجنائية الدولية تفتح تحقيقات بطيئة بشكل مثير للسخرية بينما تستمر الجرائم أمام كاميراتها.
المجتمع الدولي: شريك في الجريمة بصمته
الفشل ليس تقنياً؛ إنه إرادي. المجتمع الدولي، وخاصة الغرب الذي يتغنى بحقوق الإنسان، فشل فشلاً ذريعاً ومخجلاً في تقديم أي عدالة للضحايا الأبرياء. إن الصمت على جرائم الحرب، والتصويت ضد قرارات إدانتها، وإعاقة عمل المؤسسات القضائية الدولية، وإمداد الجاني بسلاح حديث، كل هذا يجعل هذه الدول شريكة في الجريمة. إنها ليست حالة عجز، بل حالة تواطؤ.
أسئلة نتركها لعالم يبدو أنه فقد ضميره:
كم عدد الذكرى السنوية التي يجب أن تمر، وكم عدد جثث الأطفال التي يجب أن نراها، قبل أن نعترف بأن "المجتمعات الدولية" هي كيان فاشل أخلاقياً عندما يتعلق الأمر بحياة الفلسطينيين؟ إلى متى سنسمح للقوة العسكرية الخام والدعم الجيوسياسي أن يمحوا مبادئ العدالة والإنسانية الأساسية؟ إذا كانت الأدلة الواضحة على مرأى من الجميع، والتقارير الموثقة، والشهادات الصادمة لا تكفي لتحريك الضمير العالمي، فماذا سيفعل؟ هل يجب على الضحايا أن ينتظروا العدالة من نظام قانوني دولي تم تصميمه هيكلياً لحرمانهم منها؟
وأخيراً، السؤال الأكثر إيلاماً: إذا كان هذا هو مصير من يصرون على الحياة فوق أرضهم، فما قيمة كل تلك المواثيق والمعاهدات والأعلام المنشورة نصفها حداداً؟