قمة الدوحة بين الخطاب والسيادة: إدانات كبرى بلا ردع فعلي لإسرائيل

انعقدت القمة العربية-الإسلامية في الدوحة وسط حرب إبادة إسرائيلية متواصلة على غزة، وانتهاكات يومية للبنان وسوريا، لتخرج ببيان ختامي طغت عليه لغة الإدانة والنداءات الأخلاقية، لكنّه خلا تمامًا من أي خطوات عملية توازي حجم المأساة.
نقاط غائبة عن البيان
ثلاث ملاحظات أساسية تكشف هشاشة هذا البيان: التناقض الصارخ:
في التوقيت ذاته الذي كانت القمة تنعقد فيه، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو موجودًا في القدس، ما يعني أن مركز القرار الحقيقي لم يكن في الدوحة بل في العاصمة التي تدير آلة الحرب. ازدواجية الخطاب العربي:
البيانات العربية في مواجهة إيران أو اليمن كانت دائمًا أشد وأوضح. يكفي التذكير بقرار الاستمرار في “عاصفة الحزم”، أو التأكيد المتكرر على “الجزر الثلاث” باعتبارها إماراتية، بل وحتى ذكر تفاصيل دقيقة عن ميادين نفطية مشتركة مع إيران. أما في قمة الدوحة، فلم يُذكر الاعتداء على حماس، ولا مأساة القطاع بشكل صريح وملزم. التقزيم أمام المذبحة:
في ظل المجزرة المستمرة في غزة والاعتداءات المتواصلة على لبنان وسوريا، بدا البيان خاليًا من أي جدية، أقرب إلى تغطية إعلامية منه إلى قرار تاريخي.
قراءة إسرائيلية: “غزة سقطت”
صحيفة هآرتس الإسرائيلية وصفت تصريحات القادة العرب بأنها “فارغة”، وقالت صراحة: “بينما كانوا مجتمعين في الدوحة، سقطت غزة”. وأضافت الصحيفة أن إسرائيل، وبعد ساعات قليلة من البيان الختامي، بدأت المرحلة البرية من عملية “مركبات جدعون 2”، مؤكدة أن كل ما صدر من الدوحة لم يغيّر شيئًا في حسابات تل أبيب. التحليل أشار إلى أن الملوك والرؤساء والأمراء اجتمعوا ومعهم كل عناصر القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية، لكنهم خرجوا ببيان لم يتجاوز لغة الشجب. في المقابل، كانت غزة تُدمّر، والاحتلال يعلن بداية مرحلة عسكرية جديدة.
الاستخفاف الإسرائيلي بالقمة
🫶لم تنتظر إسرائيل طويلًا حتى عبّرت عن استخفافها العلني بالبيان. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قال بوضوح:
🫶“ليجتمعوا كما يشاؤون، إسرائيل ستواصل عملياتها حتى تحقيق أهدافها. لا نكترث لبيانات تُقرأ على الورق.”
🫶وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير غرّد بسخرية:
🫶“القادة العرب في الدوحة يجتمعون للشعارات، ونحن هنا نعيد رسم خريطة الشرق الأوسط. لا مكان للضعفاء في زمن القوة.”
🫶عضو الكنيست داني دانون أضاف في مقابلة إذاعية:
🫶“العرب ما زالوا يظنون أن بياناتهم تؤثر علينا. الحقيقة أن إسرائيل لم تكن أقوى مما هي عليه الآن، والدليل أن جيوشنا تتحرك حيث نريد، من دون أي اعتبار لهذه الاجتماعات الفارغة.”
🫶الناطق باسم الجيش الإسرائيلي دانييل هاغاري قال في مؤتمر صحفي بعد القمة:
🫶“جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل وفق خطط عملياتية وليس وفق خطابات سياسية. القمة في الدوحة شأن إعلامي، لكننا في الميدان نحقق إنجازات ملموسة.”
وفي حديث آخر للقناة 12 العبرية شدّد:
“الرسالة واضحة: لا بيانات ولا إدانات ستوقف عملية مركبات جدعون 2، وسنستمر حتى نُكمل المهمة في غزة.”
حتى الإعلام العبري انضم إلى هذا النهج. صحيفة يديعوت أحرونوت سخرت بالقول:
“الزعماء العرب في الدوحة يكتبون كلمات، لكن نتنياهو يكتب التاريخ على الأرض.”
أما صحيفة معاريف فذهبت أبعد:
“حتى لو أصدر العرب ألف بيان، فإن الكلمة الحاسمة تبقى بيد واشنطن وتل أبيب. القمة مجرد مسرحية لامتصاص غضب الشارع العربي.”
مفارقات تاريخية: “عاصفة الحزم” ضد اليمن لا ضد إسرائيل
من المفارقات المدوية أن القمة العربية الوحيدة التي قررت تشكيل قوة عربية مشتركة وشن حرب فعلية كانت قمة شرم الشيخ عام 2015، لكن تلك الحرب لم تُوجَّه نحو إسرائيل، بل ضد اليمن. اليوم، وبعد سنوات، يعلن اليمن منفردًا الحرب على إسرائيل دفاعًا عن كل العرب، بينما بقية الأنظمة لا تزال غارقة في بيانات الشجب. كما علّق ناشطون: “أفهمتم الآن يا عرب لماذا أُطلقت عاصفة الحزم على اليمن؟ ولصالح من؟ وبأمر من؟”
التواطؤ الأميركي 🤍 : أكاذيب البيت الأبيض
لم يكن الموقف الأميركي أقل استخفافًا من الإسرائيلي. ففي مؤتمر صحفي بعد القمة، نفى البيت الأبيض علمه المسبق بالهجوم الإسرائيلي على الدوحة، مدعيًا أن “الولايات المتحدة لم تُبلَّغ بالعملية”. لكن الصحافة الأميركية – مثل Axios – كشفت أن نتنياهو اتصل بدونالد ترامب قبل الضربة بساعات، وأطلعه على تفاصيلها.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي حضر القمة، تحوّل عمليًا إلى شاهد على تفريغها من مضمونها، إذ إن مجرد وجوده في القدس بالتزامن مع القصف أكد أن واشنطن لم تكن وسيطًا نزيهًا، بل شريكًا كاملًا في الحرب.
وبينما كان القادة العرب يطالبون بـ “محاسبة إسرائيل”، كانت واشنطن تمنحها الغطاء السياسي والعسكري، وتمنع صدور أي قرار ملزم في مجلس الأمن.
الخلاصة
قمة الدوحة أكدت من جديد الهوة بين الخطاب والسيادة: بيانات قوية في ظاهرها، لكنها خاوية المضمون، بلا ردع ولا آليات تنفيذ. والنتيجة أن إسرائيل تجاهلت كل ما قيل، وواصلت حربها بثقة أكبر، مدعومة بغطاء أميركي مباشر، فيما ستسجل كتب التاريخ أن غزة سقطت في اليوم الذي اجتمع فيه القادة العرب في الدوحة.
هكذا أثبتت الأحداث أن البيان العربي لا يساوي شيئًا أمام التحالف الأميركي-الإسرائيلي، وأن إسرائيل لن تتوقف عن العدوان طالما أن المظلة الأميركية تحميها وتوفر لها الشرعية.