بيجر ذهبي قدّمه نتنياهو هدية للرئيس دونالد ترامب، منقوش عليه:

إلى الرئيس دونالد ج. ترامب صديقنا الأعظم وحليفنا الأكبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو **🔴عام من الدم والتبجّح: مجزرة إسرائيل بالـ«بيجر»… وصمت عالمي مطأطئ
قبل عام بالتمام، في 17 و18 أيلول/سبتمبر 2024، اجتاحت عملية سرّية لبنان: آلاف أجهزة النداء (البيجر) وأجهزة اللاسلكي انفجرت بشكل متزامن في مناطق عدّة، فقتلت العشرات وجرحت الآلاف. اليوم، بعد مرور عام، لا نُحيي فقط ذكرى الدماء المسفوكة، بل أيضاً الغطرسة التي تلتها.
الضحايا—مدنيون، مسعفون، عابرون—ما زالوا يجمعون أشلاء حياتهم. المستشفيات في الضاحية الجنوبية لبيروت والبقاع وسواها غُمرت بالمصابين. أعداد الجرحى تتراوح بين 2700 و3000 وأكثر، والقتلى ما لا يقل عن 30 إلى 40، بحسب طرق الإحصاء. أطراف مقطّعة، وجوه محروقة، حيوات محطّمة. وماذا فعل العالم؟ ندوة عن “التوازن الأخلاقي”. بيانات إنشائية جاهزة. لا شيء أكثر.
ومع ذلك، لا يوجد دليل أوضح على أن هذه المجزرة لم تكن حادثاً ولا “خطأً”، من الوقائع التي جاءت بعدها. ففي شباط/فبراير 2025، قدّم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب جهاز «بيجر» من الذهب. وُضع على قاعدة خشبية مرفقاً بلوحة كتب عليها: «إلى الرئيس دونالد ج. ترامب، صديقنا الأعظم وحليفنا الأكبر. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو».
وكان البيجر الذهبي منقوشاً عليه: «اضغط بكلتا اليدين»—وهي عبارة يرى كثيرون أنّها تذكير بالطريقة التي انفجرت فيها الأجهزة القاتلة في أيدي الضحايا بينما كانوا يحاولون قراءة الرسائل. وقد ردّ ترامب قائلاً: «لقد كانت عملية رائعة».
يُذكر أن هذه المواقف، إلى جانب المواقف الكثيرة التي برزت خصوصًا خلال الحرب الأخيرة، وما تلاها من زيارات رسمية لمسؤولين أمريكيين إلى تل أبيب، والاستقبال والاحتفاء بنتنياهو في واشنطن، تؤكد أن العلاقة بين الطرفين لا تقتصر على تحالفٍ اعتيادي، بل تقوم على شراكة متكاملة يتبادلان فيها الأدوار من تخطيط وتنفيذ إلى تمويل وتسليح. لذلك ينبغي أن ننظر إليهما كجبهة واحدة في العداء، لا ككيانين منفصلين.
ولم يقف الأمر عند ذلك. قبل أيام فقط، وقف نتنياهو أمام وفد من الكونغرس الأميركي في القدس الغربية قائلاً:
«هل معكم هواتف خليوية؟ هل معكم هواتف هنا؟ لا. أنتم تحملون قطعة من إسرائيل بين أيديكم». ثم تابع: «الكثير من الهواتف، الأدوية، الطعام، تأكلون البندورة الكرزية؟ تعرفون أين صُنعت؟».
كان يقصد الإشارة إلى حجم مشاركة إسرائيل في التكنولوجيا والمنتجات اليومية (هواتف، أدوية، غذاء). لكن نبرته—متحدّية، مستهترة بالنقد، أقرب إلى السخرية—تطرح سؤالاً: هل هذا مجرّد تبجّح، أم تهديد مُقنّع على شكل فخر؟
ما الذي يعنيه ذلك—ولماذا يهم؟
🫶هذه «الرموز» ليست رموزاً. إنّها رسائل. إلى حزب الله. إلى لبنان. إلى كل من يتجرأ على مساءلة إسرائيل. البيجر الذهبي هو غنيمة. والخطاب هو إعلان سيطرة على سلاسل الإمداد العالمية. تذكير بأن التكنولوجيا والتجارة والسلع الاستهلاكية—أشياء يُفترض أنها محايدة—يمكن أن تُستخدم كأدوات للهيمنة.
🫶فأين بقيت الأرضية الأخلاقية العليا، والمعايير الدولية التي نعتمدها؟ على الورق، اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني وسلسلة من الإدانات تدعو إلى التمييز والتناسب وحماية المدنيين. أما في الواقع: بيانات، بلا محاسبة. المحكمة الجنائية الدولية صامتة. الدول الكبرى تدير ظهرها. والأمم المتحدة؟ مشلولة.
ما يجب فعله السجل العلني وكشف الحقيقة: تثبيت الوقائع عبر تحقيقات شفافة وموثوقة. توحيد الأرقام المتضاربة حول الضحايا والمسؤولية. الضغط والعقوبات: على كل الدول التي تزعم حماية حقوق الإنسان أن تفرض عقوبات محددة على من خطّط وأمر بهذه العمليات—ليس فقط القادة السياسيين، بل أيضاً رؤساء الأجهزة العسكرية والاستخبارية. العزلة الدبلوماسية: الهدايا مثل البيجر الذهبي والخطب المتغطرسة هي إعلانات صريحة. يجب أن تكون لها عواقب في القنوات الدبلوماسية وفي الرأي العام. المساءلة القانونية: فتح تحقيقات عبر المحكمة الجنائية الدولية أو محاكم دولية أخرى. يجب أن تتحول تهم جرائم الحرب إلى ملاحقات حقيقية لا مجرد نصوص. التضامن مع الضحايا: تعويضات ملموسة—رعاية طبية، أطراف اصطناعية، دعم نفسي طويل الأمد، تعويض للعائلات—وضمان ألّا يطويهم النسيان.
في 17 و18 أيلول/سبتمبر 2024، حوّلت إسرائيل أجهزة التواصل إلى أدوات رعب. بعد عام، لم يكن الرد عدالة، بل تبجّح. بعد عام، بدا العالم أكثر ميلاً للتصفيق لـ«عمليات ناجحة» من تطبيق القوانين التي تحمي حياة البشر.
البيجر الذهبي لنتنياهو. خطابه المتحدّي. هذه ليست تصرّفات دولة واثقة من براءتها. إنّها تصرّفات دولة واثقة من إفلاتها من العقاب. وحتى يتوقف المجتمع الدولي عن التعامل مع هذه الرموز كطرائف، سنعيش في عالم يمكن فيه الاحتفاء بالمجازر—أو السخرية منها—من دون ثمن.