المال والدعاية والصواريخ: كيف أنفقت السعودية خلال العامين الماضيين على الاستعراض بدل العدالة

على مدى عامين، ضخت المملكة العربية السعودية مليارات الدولارات من المال العام وشبه العام في مشروع تسويق سياسي: إعادة تشكيل صورتها، شراء الترفيه العالمي، تمويل جوقة إعلامية صديقة للغرب، ودفع سياسة المنطقة باتجاه التطبيع مع إسرائيل وإقصاء القوى التي تكرهها الرياض ـ وعلى رأسها حزب الله. الأرقام مذهلة. والفضيحة الأخلاقية أكبر: بينما تُنفق المليارات على الحفلات، والدوريات الرياضية، وحملات العلاقات العامة، تُترك غزة لتجوع، وجنوب لبنان ليبقى تحت الركام.
المال الملموس الذي يمكن رصده
👌 صندوق الاستثمارات العامة (PIF)، وهو الذراع السيادية المالية للمملكة، يقود هذا الدفع الناعم. في تقاريره لعام 2024، أعلن الصندوق أنه يدير ما يقارب 913 مليار دولار من الأصول، ضُخّت مئات المليارات منها في الرياضة والترفيه ومشاريع “رؤية 2030”. هذه ليست تنمية محايدة، بل أدوات نفوذ ناعمة. 👌من أبرز الأمثلة: تمويل دوري الغولف LIV Golf، الذي كلف الصندوق حوالي 3.9 مليار دولار مع تقديرات بارتفاعها إلى 5 مليارات دولار حتى 2025، رغم الخسائر المتراكمة. إنها ليست رعاية رياضية بريئة، بل شراء مساحة إعلامية عالمية. في الداخل، تضخ الرياض مليارات لبناء منظومة ترفيهية تغيّر صورتها. موسم الرياض وحده، وهو مهرجان ترفيهي متعدد الأشهر، استقطب ملايين الزوار في 2023–24، ويظهر كبند أساسي في بيانات وزارة المالية لميزانية 2024–25. هذه أموال عامة تُستخدم لتلميع صورة ولي العهد، لا لإنقاذ المساكين. السوق الإعلاني نفسه ضخم: بلغ الإنفاق الإعلاني في 2023 نحو 2 مليار دولار، والسوق الكلي للإعلان والعلاقات العامة يُقدّر بأكثر من 3 مليارات دولار في 2025. جزء معتبر من ذلك يُستخدم في حملات التأثير السياسية، سواء للتطبيع أو ضد حزب الله.
ماذا يشتري هذا الإنفاق؟ تطبيع مع إسرائيل:
🫶من خلال مقالات مدفوعة، تقارير مراكز أبحاث، وضغوط لوبيات في واشنطن وبروكسل. الرسالة: “التطبيع هو الطريق للتنمية والضمانات الأمنية”. إنها صناعة سردية، وليست مصادفة. ⚪️تمويل فصائل وإعلام ضد حزب الله في لبنان:
الأموال الخليجية عادت إلى بيروت كشرطية: إعادة الإعمار والتمويل مقابل إضعاف حزب الله. تقارير 2025 (مثل Semafor) كشفت أن عروض الخليج لإعادة إعمار لبنان مشروطة بتجريد الحزب من سلاحه. وفي شباط 2025، ناشد رئيس لبنان الرياض لإعادة تفعيل منحة 3 مليارات دولار للجيش. هذه ليست مساعدات إنسانية بل أدوات ابتزاز سياسي.
الترفيه كغسيل صورة
المملكة تنفق بسخاء على الحفلات، المهرجانات، الرياضات، والسينما. هذه ليست مجرد اقتصاد تنويعي، بل أدوات لصناعة صورة جديدة: “سعودية حديثة”. في 2024، خسر صندوق الاستثمارات العامة 8 مليارات دولار على مشاريعه العملاقة الداخلية، لكنه يواصل الإنفاق بلا توقف. كل هذه المليارات كان يمكن أن تُخصص لإغاثة غزة أو إعادة إعمار بيروت.
الصواريخ والصمت
منذ أكتوبر 2023، أطلقت جماعة أنصار الله (الحوثيون) صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل. بعضها اعترضته إسرائيل لتساند اهالي غزة ، بعضها تساقط فوق الأراضي السعودية، وبعضها أُسقط بتحالف أمريكي-خليجي. المملكة نفسها اعترضت عدداً منها أو سمحت باستخدام أجوائها للعمليات. هذا المشهد يلخص المفارقة: المليارات تُصرف على تلميع الصورة بينما المنطقة تحت القصف.
ما نعرفه وما لا نعرفه
لا يوجد جدول حكومي سعودي يقول: “مليار دولار لتمويل التطبيع” أو “مليون لصحيفة ضد حزب الله”. لكن الشواهد واضحة: صندوق سيادي يشتري الرياضة والإعلام، ميزانيات وزارية تكدّس المهرجانات، وعقود لوبيات في واشنطن. الصحفيون والباحثون يربطون الأرقام ليكشفوا أن الصورة أوضح مما تريد الرياض الاعتراف به.
الميزان الأخلاقي
🫶فلنضع الأرقام في ميزان الإنسانية:
مليارات في دوريات غولف، حفلات، وإعلانات. بينما في غزة، أطفال يبحثون عن طعام. وفي لبنان، أحياء كاملة مدمرة تنتظر إعادة إعمار. كان يمكن لهذه الأموال أن تفتح معابر إنسانية، تعيد بناء مدارس ومستشفيات، وتعيد الكرامة لناس مسحوقين.
الخلاصة: أين الشفافية؟
لسنا أمام “اختيارات اقتصادية” بل أمام سياسة مُتعمدة. المال العام يُستخدم للدعاية، للابتزاز السياسي، وللاستعراض، بينما يموت الناس في غزة ولبنان. إذا أرادت السعودية أن تُظهر قيادة أخلاقية حقيقية، فعليها أن تكشف حجم إنفاقها السياسي، تلغي شروطها على مساعدات لبنان، وتعيد توجيه ثروتها نحو البشر، لا نحو الاستعراضات.