كيف خرّبَت حرب إيران–العراق؛ العراق — ودور الرياض في إبقائه مكسورًا

هناك عنف أسوأ من القذائف: العنف البطيء المنظم الذي ينهش مستقبل شعبٍ كامل. حرب إيران–العراق (22 أيلول/سبتمبر 1980 — 20 آب/أغسطس 1988) لم تكن مجرد معركة على أرض؛ كانت سياسة إقليمية مدعومة بأموال نفطية جعلت من العراق مختبراً للخراب الاقتصادي والاجتماعي. والواقع المؤلم هو أن السعودية وشركاء الخليج لم “ينقذوا” العراق — بل أطالوا أمد القتال، وأثقلوه بالديون، وجعلوه ضعيفًا غنيمةً سياسية واقتصادية.
عندما قرر صدام حسين اجتياح إيران تعرض العراق لمعركة استنزاف طويلة الأمد. النتائج بسيطة وقاسية: ثماني سنوات من الحرب، ضربات متكررة للموانئ والمنشآت النفطية، وتحويل قدارات البشر من بناء اقتصاد إلى ماكينة حرب. بحلول 1988 لم يكن العراق فقط مُدمّرًا ماديًا؛ كان مُثقلاً بفواتير إعادة إعمار هائلة وبدينٍ خارجي بلغ مستويات تُقيد أي طموح تنموي. تقديرات الديون الخارجية بعد الحرب تُشير إلى مليارات الدولارات — وحكم الواقع واضح: ديونٌ تثقل كاهل الدولة وتسكب سمّاً في مستقبل التعليم والصحة والبنى التحتية. وهنا يأتي دور الخليج — والسعودية تحديدًا. بدلاً من الضغط لوقف الاقتتال سريعًا، قدمت عواصم الخليج — وبخاصة الكويت والمملكة العربية السعودية — دعماً مالياً هائلاً، ضمانات قروض، وتغطية دبلوماسية سمحت لبغداد أن تستمر في القتال رغم استنزاف المال والرجال. هذه الأموال لم تُستخدم لإعادة بناء البلاد؛ استُخدمت لتمويل الذخائر والآليات الحربية. باختصار: دول الخليج مَوّلت استمرار الحرب.
لا تخلطوا بين “مساعدة” و“أداة سياسية”. ما حصل كان سياسة دولة:
«دبلوماسية إنقاذ الخليج» — أي استخدام المال كورقة لحماية الأنظمة من تهديد الثورة الإيرانية بعد 1979.
دراسات ومراجعات تحليلية جديدة ووثائق أرشيفية توضح أن هذه الأموال كانت وسيطاً للنفوذ وليست عملاً خيريًا. عندما تمول دولة عدوانًا ثماني السنوات، فإنها لا تقوم بفعل إنساني؛ إنها تشرعن استمرار الخراب.
النتائج التنموية كانت ولا تزال مدمرة ومقاسة بالأرقام. تقارير صندوق النقد الدولي تُظهر هبوطًا حادًا في نصيب الفرد من الناتج القومي بين ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين — هبوطٌ يعكس تأثير التسلّح والتعبئة ثم العقوبات والحروب اللاحقة.
دراسات البنك الدولي تؤكد فقدان رأس المال البشري: أطفال خرجوا من المدارس، منظومات صحية مُجهدة، وانحطاط قدرة المصانع الوطنية. هذه ليست مجرد إحصاءات جامدة؛ هذه حياة اندثرت وفرص ضاعت.
الأرشيف والوثائق المفككة للسرية تؤكد أن ما حصل لم يكن صدفة. وثائق مُؤرّخة ومُفرَج عنها (سواء في ملفات وزارة الخارجية الأمريكية أو في أفرع وكالة الاستخبارات الأمريكية المنشورة عبر قوانين الإفصاح) تُبيّن أن دول الخليج كانت تعي مخاطر إيران الثورية ( حسب اعتقادهم ) وسعَت عمدًا لدعم بغداد — لا من أجل العراقيين، بل من أجل حسابات جيوسياسية. هذه الوثائق تُحوّل الكلام من اتهامٍ بلاغي إلى سجل موثق يُصعب دحضه.
لننظر إلى أمثلة لا تُرَدّ بالكلام الرنان: تقارير صحفية من أوائل ثمانينيات القرن الماضي تُسجّل دفعات ائتمانية كبرى — مثل تقارير واشنطن بوست عن قروض كويتية للعراق بقيمة مليارات في 1981 — وفي نهاية التسعينيات كانت أرقام الدين العام تشير إلى أن بغداد تراكمت عليها ديون بنحو 37 مليار دولار إلى الدائنين الخليجيين، رقمٌ أدى مباشرةً إلى سلسلة أزمات واضطرابات سياسية، وصعد إلى حد غزو الكويت عام 1990.
هذه أرقام ليست مجرّد حسابات؛ هي سلاسل سبب ونتيجة.