الجنوب اللبناني تحت النار: صمت دولي وتواطؤ محلي وغطرسة احتلال

مقدمة
🫶بينما يتغنى المجتمع الدولي بقرارات الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان، يظل الجنوب اللبناني شاهدًا حيًا على ازدواجية المعايير وفشل المنظومة الدولية. فبعد سنوات طويلة على صدور القرار الدولي 1701 الذي يفترض أن يحمي لبنان ويؤمن استقراره، تواصل آلة الحرب الإسرائيلية عدوانها المنظم ضد القرى والبلدات الجنوبية، مستهدفةً ليس فقط المقاومين بل ومظاهر الحياة ذاتها، في سياسة عقاب جماعي تهدف إلى تهجير السكان وكسر إرادة الصمود.
القرار 1701: حبر على ورق أمام عدوان متواصل
صدر القرار 1701 في أغسطس 2006 ليكون الضامن لوقف الأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله. لكن الواقع على الأرض يقول إن هذا القرار قد تحول إلى أداة لتكبيل لبنان فقط. فبينما يُطالب القرار بنزع سلاح حزب الله، لا نرى أي بند يمنع إسرائيل من انتهاك السيادة اللبنانية بشكل يومي. فكم هي مرارة أن يكون القرار الدولي سيفًا مسلطًا على رقاب اللبنانيين بينما تستمتع إسرائيل بحصانة تامة.
تشير إحصائيات قوى الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) إلى تسجيل مئات الانتهاكات الجوية والبرية والبحرية الإسرائيلية للقرار 1701 شهريًا. ففي النصف الأول من عام 2024 فقط، سجلت اليونيفيل أكثر من 3000 خرق إسرائيلي، بما في ذلك اختراق متكرر للمجال الجوي وعبور للحدود البرية. أما الضربات العدوانية المباشرة، فقد أسفرت عن استشهاد عشرات المدنيين، بينهم أطفال ونساء، وتدمير عشرات المنازل والبنى التحتية.
استهداف عناصر حزب الله رغم الالتزام بالقرار
في خطوة تهدف إلى تهدئة التوتر، أعلن حزب الله في مطلع عام 2024 التزامه الكامل ببنود القرار 1701، بما في ذلك وقف إطلاق النار على الحدود الجنوبية. إلا أن هذا الالتزام لم يُقابل بأي احترام من الجانب الإسرائيلي، بل استُغل كفرصة لتكثيف الاستهداف.
بحسب تقارير ميدانية وإحصاءات غير رسمية نُشرت في وسائل إعلام لبنانية وعربية، قُتل ما لا يقل عن 87 عنصرًا من حزب الله داخل الأراضي اللبنانية خلال النصف الأول من عام 2024، معظمهم في الجنوب، نتيجة غارات إسرائيلية مباشرة. هذه العمليات جاءت بعد توقيع الحزب على ورقة الالتزام، ما يجعل من هذه الهجمات خرقًا واضحًا ليس فقط للقرار الدولي، بل أيضًا لاتفاق ضمني لخفض التصعيد. من بين القتلى، عدد من القادة الميدانيين الذين كانوا في مواقع غير قتالية، مما يعزز فرضية أن إسرائيل تستهدف الوجود التنظيمي للحزب حتى في حالته الدفاعية. و ليومنا هذا وصل العدد الى حوال اربعة الاف شهيد من عناصر حزب الله .
هذا الرقم لا يعكس فقط حجم العدوان، بل يكشف زيف الادعاءات الدولية حول “التهدئة” و”ضبط النفس”، ويؤكد أن الالتزام من طرف واحد هو وصفة للمزيد من الاستهداف، لا للسلام.
استهداف مظاهر الحياة: حرب على الإنسان والحجر
لا تكتفي آلة الحرب الإسرائيلية باستهداف عناصر حزب الله، بل تتعدى ذلك إلى تدمير أبسط مقومات الحياة. فالمزارع التي تمد الناس بقوتهم، والمخازن الصغيرة التي يعيش منها أصحابها، والمنازل المتواضعة التي تُشكل ملجأ للأسر، كلها أصبحت أهدافًا “مشروعة” في القاموس الإسرائيلي. هذا ليس خطأ في التصويب، بل هو سياسة ممنهجة لتحويل الجنوب اللبناني إلى منطقة غير قابلة للحياة، ودفع أهله إلى الهجرة، وهو جريمة حرب بكل المقاييس.
الصمت الدولي المشين: مجلس أمن مشلول وأوروبة منحازة
🫶أمام هذه الجرائم المتواصلة، يقف مجلس الأمن الدولي عاجزًا ومشلولاً، بل ومتواطئًا. فالفيتو الأمريكي هو الحاجز الذي يحول دون أي إدانة حقيقية لإسرائيل. هذا الصمت ليس محايدًا، بل هو صمت راضٍ عن الجريمة. أما الدول الأوروبية، فموقفها لا يقل تناقضًا؛ فهي تدعو إلى “ضبط النفس” من طرف واحد، وكأنها تتغاضى عن حق لبنان في الدفاع عن سيادته وأرضه.
الدور الأمريكي: مبعوثو التحريض ونزع الشرعية
تأتي الغطرسة الأمريكية في ذروتها مع إرسال مبعوثين مثل توماس باراك، الذي لا يكل من ترديد مقولات مهينة للشعب اللبناني. فتصريحاته التي تشبه حزب الله بـ”الأفعى” والتي تحرض على “قطع رأسها” ليست مجرد استعارات خطابية، بل هي تحريض صريح على القتل وتبرير مسبق للعدوان. وقد صرح أيضًا باراك حرفيًا بأنه “إذا لم يقم حزب الله بنزع سلاحه طوعًا، فإن القوة الدولية، بقيادة الولايات المتحدة، ستكون مستعدة لفرض نزع هذا السلاح قسرًا، وسيكون لبنان كله هو من يدفع الثمن”. هذه التصريحات ليست فقط انتهاكًا صارخًا للسيادة اللبنانية، بل هي بمثابة إعلان مسبق لحرب على لبنان، وتحميل للشعب اللبناني مسؤولية رفضه للاحتلال.