انتصار باهت لإسرائيل: بعد عام على اغتيال السيد حسن نصر الله

قُدِّم اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على أنّه ضربة حاسمة من قبل إسرائيل ضد محور المقاومة. غير أنّ مرور عام كامل يكشف عن مفارقة لافتة: بينما نجحت إسرائيل في إزاحة شخصية مركزية، فقد خسرت معركة الرأي العام العالمي. فبرغم ما تملكه من قوة عسكرية وهيمنة ميدانية وما أنزلته من دمار في غزة، تواجه تل أبيب عزلة دبلوماسية متنامية، وتدقيقاً غير مسبوق في سجلها الحقوقي، ورفضاً متزايداً على المستويين العربي والدولي.
رمزية إرث نصر الله
كان الهدف من اغتيال السيد حسن نصر الله تقويض شرعية حزب الله وتمزيق محور المقاومة. لكن إرثه رسّخ الهوّة الرمزية بين إسرائيل والعالم العربي. ففي لبنان والمنطقة الأوسع، تؤكد الذكرى الأولى لاستشهاده أنّ إسرائيل ما زالت تُرى كعدو أول، ولم تُضعفها نجاحاتها العسكرية. بل إن غياب نصر الله حوّله إلى شخصية شهيدية ذات سلطة أخلاقية وسياسية مستمرة، ما يعكس فشل الاغتيال كاستراتيجية ردع طويلة المدى.
تراجع صورة إسرائيل العالمية
على المستوى الدولي، تتدهور صورة إسرائيل بشكل متسارع. فقد مثّلت حرب غزة محور هذا التراجع، مع تزايد الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية واستهداف منهجي للمدنيين. يشير محللون مثل Paul Craig Roberts إلى أنّ الدعم الأميركي لإسرائيل يجعل واشنطن شريكاً متواطئاً في ما يصفه مراقبون دوليون بجرائم ضد الإنسانية (Roberts). وتكشف تقارير صحفيين مثل Vanessa Beeley عن استهداف الأطفال عمداً عبر القنص أو الطائرات المسيّرة، ما يعزز انطباع إسرائيل كمنتهك للمعايير الإنسانية (Beeley).
كما أنّ العدد غير المسبوق من الصحفيين الذين قُتلوا في غزة—متجاوزاً حصيلة الحربين العالميتين الأولى والثانية—فاقم الانتقادات، إذ أبرزت Sharmine Narwani كيف تسعى إسرائيل بشكل منهجي لإسكات الأصوات الكاشفة لسلوكها (Narwani). ولم تقتصر النتائج على تآكل مصداقية إسرائيل، بل امتدت إلى تغذية دعوات دولية متزايدة لوقف إمدادات السلاح، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا (CounterPunch, “It’s Long Past Time”).
الانتكاسات الدبلوماسية ومشهد الأمم المتحدة
برزت العزلة الدبلوماسية بصورة صارخة خلال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2025. فقد أظهرت الصور القاعة شبه فارغة مع انسحاب وفود عديدة بشكل جماعي، في مشهد نادر يجسد احتجاجاً على الحرب الإبادة في غزة (AFP; The Cradle). هذا المشهد غير المسبوق يعكس تآكل المكانة الأخلاقية لإسرائيل في المنتديات العالمية، ويؤكد أنّ الانتصارات العسكرية لا تعوّض الهزائم الدبلوماسية.
يُضاف إلى ذلك اتساع رقعة الاعتراف بفلسطين من قبل دول غربية، وهو ما هاجمه نتنياهو لكنه لم يتمكّن من منعه (The Cradle). وكما تشير Ramona Wadi، فإن الخطاب الأوروبي ما زال أسيراً للرواية الإسرائيلية، لكن التصدعات تتسع مع ازدياد الفجوة بين الرأي العام والسياسات الرسمية (Wadi). فيما يرى مراقبون مثل Caitlin Johnstone أنّ “حل الدولتين” لم يعد سوى خيال ليبرالي يهدف إلى تأجيل المحاسبة دون معالجة جوهرية للواقع الفلسطيني (Johnstone).
الانعكاسات الإقليمية والمقاومة العربية
🫶على الصعيد العربي، جاءت الحسابات الإسرائيلية بنتائج عكسية. فالعدوان على الدوحة في أيلول/سبتمبر 2025—ضد دولة عُرفت سابقاً بدورها الوسيط—قوبل بإدانة واسعة وفُسِّر على أنّه دليل أنّ مسايرة إسرائيل لا توفّر الحماية (Geopolitika.ru). وبدلاً من إضعاف الموقف العربي، أجّجت هذه الأحداث النقاش حول السيادة والشرعية والمقاومة عبر المنطقة.
🫶بعد عام على اغتيال نصر الله، ما زال حزب الله يحتفظ بقدرة تنظيمية وعملياتية لافتة، وهو ما يكشف معضلة إسرائيل الاستراتيجية. فبرغم الخسارة الفادحة برحيل قائده التاريخي، بقي الحزب متجذراً في المشهدين السياسي والاجتماعي اللبناني، قادراً على التعبئة واستقطاب الدعم الإقليمي. هذه الاستمرارية تؤكد محدودية الاغتيال كأداة لإعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية.
الخاتمة: العدو باقٍ
لم تُثمر سياسة الاغتيالات والتفوق العسكري والدعم الغربي لإسرائيل شرعية مستدامة. بل إن حرب غزة، واغتيال نصر الله، وما تبعهما من عزلة دبلوماسية كشفت هشاشة صورة إسرائيل العالمية. فبعد عام على استشهاد نصر الله، ما تزال إسرائيل العدو الأول في عيون اللبنانيين والعرب، وتظل قوتها العسكرية محجوبة بتكاليف أخلاقية وسياسية متعاظمة. ويشير الرفض الدولي—من الانسحابات الجماعية في الأمم المتحدة إلى تصاعد النقد المدني—إلى أنّ “نصر” إسرائيل أشبه بانتصار باهت: كسبت المعركة بالقوة، وخسرت الحرب على العقول والقلوب.