سموتريتش في مؤتمر بتل أبيب (سبتمبر 2025)
“خطة ترامب لغزة: صفقة استسلام لتبييض وجه إسرائيل لا لإنهاء الحرب”
أعلن دونالد ترامب، وسط ضجة إعلامية، عن خطته المكوّنة من 20–21 بندًا لإنهاء الحرب على غزة. نصّت الخطة على وقف سريع لإطلاق النار، إعادة الرهائن خلال 72 ساعة، انسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية، نزع سلاح غزة، تشكيل لجنة انتقالية دولية ـــ بإدارة ترامب شخصيًا وبمشاركة توني بلير ـــ لتسيير شؤون القطاع، ثم إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة بتمويل دولي، مع منح عفو أو ممرّ آمن لعناصر حماس الذين يتخلون عن السلاح. في ظاهرها، تعد الخطة بـ “غزة جديدة” مزدهرة، منزوعة التطرف، منفتحة على الاستثمار، و”متعايشة” مع إسرائيل.
لكن خلف هذا الخطاب المزيّن، تكشف القراءة النقدية أن الخطة هشة وغير قابلة للتنفيذ. فهي أشبه بواجهة إعلامية تخدم مصالح إسرائيل وترامب أكثر مما تخدم الفلسطينيين. وفيما يلي أبرز الأسباب الجوهرية التي تجعل من هذه الخطة وصفة للفشل:
غياب الملكية الفلسطينية — الشرعية شرط النجاح
أي تسوية سياسية تحتاج قبولًا من الأطراف الفاعلة على الأرض. لكن خطة ترامب تشترط تجريد حماس من دورها العسكري والسياسي مسبقًا، وتضع إدارة غزة في يد “لجنة فنية” يشرف عليها الخارج. هذا يعني إقصاء الفصيل الأقوى في غزة وتعامل مع الفلسطينيين كـ “رعايا” تحت وصاية دولية، وهو ما لا يمكن أن يحظى بشرعية محلية. حتى الآن، لم يشارك أي طرف فلسطيني في صياغة الخطة، وحماس رفضت تقديم تنازلات بالشكل المطروح.
ترتيب الأحداث يخلق فراغًا أمنيًا خطيرًا
الخطة تقترح: أولًا إعادة الرهائن، ثم الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين، ثم نزع السلاح، وبعدها إعادة الإعمار. بهذا الترتيب، تكون إسرائيل قد حققت كل مكاسبها الأمنية والإنسانية أولًا، فيما يُترك قطاع غزة مكشوفًا بلا أدوات ردع أو ضمانات سياسية. التجربة التاريخية تثبت أن تفكيك البنى المسلحة دون بديل سياسي مشروع لا يؤدي إلى استقرار بل إلى مقاومة سرية أشد صلابة. حتى تقارير إسرائيلية أشارت إلى أن السيطرة الكاملة أو القضاء على حماس أمر غير ممكن عمليًا، وأن أي “يوم بعد الحرب” بلا خطة سياسية سيؤدي إلى فوضى مستمرة.
وهم “نزع السلاح الكامل”
تعاملت الخطة مع نزع السلاح كعملية تقنية يمكن مراقبتها دوليًا، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. فالمقاومة لا تقتصر على ترسانة معلنة، بل على خبرة ووعي شعبي متجذر. إضعاف حماس تنظيميًا لا يعني اختفاء المقاومة؛ بل قد تتحول إلى حرب عصابات طويلة الأمد، وهو ما يحذّر منه باحثون في مراكز الأمن القومي الإسرائيلية أنفسهم. باختصار، لا يمكن فرض “تجريد من السلاح” من طرف واحد دون بديل سياسي متفق عليه.
آليات رقابة بلا قوة تنفيذ
تتحدث الخطة عن “مجلس السلام” برئاسة ترامب وتحت إشراف شخصيات دولية مثل توني بلير. لكن هذه الهيئة لا تملك أدوات إلزامية أو قوات حفظ سلام قوية تفرض قراراتها على الأرض. إسرائيل تحتفظ بالسيطرة الأمنية وتملك قرار العودة للعمليات متى شاءت. في المقابل، إذا خالفت إسرائيل شروط الاتفاق، فليس هناك جهة دولية تمتلك القوة لردعها. بكلمة أخرى: لا ضمانات، بل إدارة شكلية.
إعادة الإعمار كأداة ابتزاز سياسي
الخطة تربط دخول المساعدات وإعادة إعمار غزة بقبول الشروط السياسية. هذه الصيغة تكرّر أخطاء الماضي: وعود إعمار لم تُنفذ أو نُفذت جزئيًا، ومساعدات استُخدمت كوسيلة ضغط. الأدهى أن الخطة تكافئ إسرائيل، المعتدي الرئيسي، بمنحها التطبيع العربي والاعتراف السياسي مقابل تدمير غزة. هذا ليس “سلامًا”، بل تحويل العدوان إلى ربح سياسي واقتصادي.
الحسابات الإقليمية تجعل الخطة غير واقعية
تزعم واشنطن أن هناك دعمًا عربيًا وإسلاميًا واسعًا للخطة، لكن الواقع مختلف. قطر ومصر والأردن تضع خطوطًا حمراء، فيما ترى إيران وحلفاؤها أن الخطة فرصة لتعرية إسرائيل وتوسيع نفوذ “محور المقاومة”. حتى السعودية، التي كانت مرشحة للتطبيع، جمدت مسارها بعد مجازر غزة. هذا الانقسام يعني أن “مجلس السلام” لن يجد غطاءً إقليميًا متماسكًا، بل معارضة صريحة أو ضمنية من قوى فاعلة.
غياب العدالة والمساءلة
تتجاهل الخطة بالكامل سؤال العدالة: من سيحاسب على مئات آلاف الضحايا والدمار الهائل؟ من يضمن عدم تكرار العدوان بعد إطلاق سراح الأسرى؟ تحويل الصراع إلى “صفقة تقنية” يفرغ معاناة الفلسطينيين من مضمونها السياسي والحقوقي، ويجعل أي وقف مؤقت لإطلاق النار مجرد هدنة قصيرة لا سلامًا دائمًا.