تشرين الأول: رأس حربة المقاومة والثمن الذي دفعه لبنان

قبل عامين، في ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، اتخذ حزب الله قرارًا مصيريًا غيّر المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. ردًا على الهجوم الإسرائيلي الوحشي على غزة بعد عملية طوفان الأقصى التي قادتها حماس، أطلق حزب الله ضربات منسقة من جنوب لبنان، معلنًا دعمه الكامل للمقاومة الفلسطينية. لم يكن هذا الفعل رمزيًا، بل كان استراتيجيًا، إذ شكّل نقطة تحول من مقاومة فلسطينية محلية إلى مواجهة إقليمية شاملة.
الانخراط الاستراتيجي: دخول حزب الله المحسوب
لم يكن دخول حزب الله إلى الصراع مجرد تضامن، بل خطوة مدروسة. فبصفته القوة المقاومة الأكثر تنظيمًا وخبرة قتالية في المنطقة، شكّل انخراطه تحولًا نوعيًا في ميزان القوى. فتح جبهة الشمال أجبر إسرائيل على تشتيت مواردها العسكرية، مما عقد حملتها في غزة. وأكد حزب الله بذلك دوره كرأس حربة محور المقاومة الذي يضم إيران واليمن والعراق وسوريا (قبل انهيارها).
الثمن الباهظ: دماء ودمار وصمت دولي
دفع لبنان ثمنًا باهظًا لموقفه. خلال العامين الماضيين، شنّت إسرائيل آلاف الغارات الجوية على الجنوب والبقاع وأحياء في بيروت، مستهدفة مناطق ذات غالبية شيعية. ووفقًا لتقديرات مشروع بيانات النزاع المسلح (ACLED)، وقعت أكثر من ٧٠٠٠ هجمة عبر الحدود بين تشرين الأول ٢٠٢٣ وحزيران ٢٠٢٤، أسفرت عن مئات القتلى وآلاف الجرحى، بينهم أطفال ونساء ومسنّون.
الهجوم المعروف بـ”هجوم البيجر” في أيلول ٢٠٢٤، حيث انفجرت أجهزة اتصال تابعة لحزب الله، أدى إلى مقتل ٢٧ شخصًا وإصابة أكثر من ٤٤٥٠، ويُعد رمزًا مرعبًا للحرب التكنولوجية والنفسية.
كما اغتالت إسرائيل قادة بارزين في حزب الله، منهم فؤاد شكر، إبراهيم عقيل، وهاشم صفي الدين، وصولًا إلى اغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله في ٢٧ أيلول ٢٠٢٤. لم تكن هذه الاغتيالات مجرد عمليات عسكرية، بل محاولات لشلّ البنية الفكرية والقيادية للمقاومة.
⚪️تدمير معاقل الشيعة
🫶تحوّلت مناطق سكنية في الخيام ، النبطية، بنت جبيل، بعلبك، وضواحي بيروت الجنوبية إلى ركام. لم يكن التدمير عشوائيًا، بل حملة ممنهجة ضد معاقل الشيعة. استهدفت إسرائيل المدنيين الشيعة بدعم أمريكي استخباراتي وعسكري، وبتواطؤ من أطراف لبنانية تسعى للتطبيع مع كيان استعماري توسعي. ⚪️التحولات الجيوسياسية: انقسام عربي صارخ
في حين وقفت إيران واليمن والعراق إلى جانب غزة، غابت معظم الدول العربية والإسلامية عن محور المقاومة. هذا الغياب، بل خيانة البعض عبر التطبيع، كشف هشاشة الموقف العربي وأعطى إسرائيل ضوءًا أخضر لمواصلة جرائمها.
إيران، رغم الضغوط الهائلة خلال مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، رفضت التخلي عن فلسطين. دفعت ثمنًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا، لكنها أثبتت أنها العمود الفقري الأخلاقي للمقاومة.
أما سوريا، فقد وقعت في الفخ. سيطر تنظيم داعش على أجزاء واسعة منها، والجولان بقي تحت الاحتلال الإسرائيلي. ولبنان، المحاصر بين داعش من الشرق وإسرائيل من الجنوب، يواجه تهديدًا وجوديًا من جهتين تعاديان الشيعة بسبب تمسكهم بالعدالة للفلسطينيين وللمنطقة.
اتفاق هشّ وسيناريو المنطقة العازلة
🫶وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاق وقف إطلاق نار هشّ مع إسرائيل في تشرين الثاني ٢٠٢٤، تحت ضغط دولي. لكن السلام المفروض ليس سلامًا. الخطة التي طرحها دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لتحويل شمال إسرائيل وجنوب لبنان إلى منطقة صناعية خالية من السكان اللبنانيين، ليست سوى محاولة استيطانية جديدة لتهجير أهل الجنوب وسلبهم أرضهم.
صمت المجتمع الدولي وتواطؤه
فشل المجتمع الدولي في محاسبة إسرائيل ليس مجرد تقصير، بل تواطؤ. رغم توثيق جرائم الحرب والعقاب الجماعي وانتهاك القانون الدولي، تواصل القوى الكبرى صمتها. الأمم المتحدة عاجزة، والغرب يمارس ازدواجية المعايير، مما يقوّض الثقة بالعدالة الدولية.
النصر للحق في نهاية المطاف
ورغم كل هذا الدمار، تبقى الحقيقة راسخة: الشيعة في لبنان، الذين صقلتهم المحن ويقودهم الإيمان بالعدالة، لن يرضخوا للظلم. تضحياتهم ليست عبثًا. فمحور المقاومة، رغم الجراح، ما زال واقفًا. والتاريخ أثبت أن الحق، وإن تأخر، ينتصر.